والأعلى في ميزان الشرع، فتقدم الأصول على الفروع، والأساسيات على الهامشيات.
ولا غرو أن تقدم العقائد على الأعمال؛ لأن العقيدة هي أساس العمل، ولا يقبل عند الله عمل لم يؤسس على عقيدة سليمة، وإيمان صحيح، ولذا قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} [إبراهيم: 18] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] .
وقال سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .
ومن أجل هذا تعمل السياسة الشرعية - أول ما تعمل - على غرس الإيمان الصحيح بالله تعالى، وبكمالاته التي لا تتناهى، وبجزائه في الآخرة على ما قدمه الإنسان في الدنيا، من خير أو شر، والإيمان برسالاته، وما أنزل من كتب ومن بعث من رسل، لهداية خلقه {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] .
كما تعمل على تثبيت هذه العقيدة، وحمايتها، ورد الشبهات عنها، وتهيئة المناخ الصحيح لنموها وترعرعها وإيتائها أكلها كل حين بإذن ربها.
ومعنى هذا: أن «الجانب المعرفي» الذي يبني الإيمان على النظر في آيات الله في الأنفس وفي الآفاق، ويستفيد من مقررات العلوم الطبيعية والرياضية، لإنشاء الإيمان الراسخ: له أولوية على غيره، فالفكر يسبق المادة، خلافًا لمقولة الماركسيين.
والعلم يثمر الإيمان ويسبقه، كما يقول تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] فالعلم يترتب عليه الإيمان، والإيمان يترتب عليه الإخبات.