فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 316

المرتكز الثاني: فقه الواقع

ترتكز السياسة الشرعية - فيما رأينا - على فقه النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية، وترتكز كذلك على «فقه الواقع» المعيش، والعلم به علمًا يتيح للناظر الحكم عليه حكمًا صحيحًا، فقد قالوا في المنطق: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

وفقه الواقع يقوم على دراسته على الطبيعة - لا على الورق - دراسة علمية موضوعية، تستكشف جميع أبعاده وعناصره بإيجابياته وسلبياته، والعوامل المؤثرة فيه، بعيدًا عن التهوين والتهويل، وبمعزل عن النظرات المثالية الحالمة، والنظرات الانهزامية المتشائمة، والنظرات التبريرية، التي تريد أن تسوّغ كل شيء، وإن كان أبعد ما يكون عن الحق، وأن تعطيه - بالتكلف والاعتساف - سندًا من الشرع.

إن دراسة هذا الواقع واجب لا بد منه لكل فقيه، ولكل فقهٍ في أي باب من أبوابه، ولكنه أوجب ما يكون، وألزم ما يكون، في باب السياسة الشرعية، لأنه فقه يتصل بعموم الناس، وبقرارات وأنظمة وأوضاع تمس حياة الجماهير الغفيرة، ولأنه واقعٌ دائم التجدد والتغيّر، فلا بد أن يكافئه فقه متجدد، يراعي تغير الزمان والمكان وأحوال الإنسان.

وهذا كان واضحًا لدى الصحابة والخلفاء الراشدين، ولدى الأئمة المجتهدين بعد ذلك، وخصوصًا ما يتعلق بالأحكام التي تبنى عادة على مصالح قد تتغيّر، أو أعراف قد تتبدل، فما أسرع ما كانت تتبدل فتواهم بتبدل الواقع.

وهو ما جعل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول: تحدث للناس أقضية «أحكام» بقدر ما أحدثوا من فجور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت