فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 316

الباطلة؛ حفظا لأموال الناس من الضياع، بل وجدناهم تركوا الإفتاء بمذهبهم وأفتوا بالمذاهب الأخرى لتغيّر الزمان، كما أفتوا بمذهب الشافعي بالضمان في إتلاف منافع الوقف ومال اليتيم لفساد الزمان، مع اعترافهم بقوة وجه مذهبنا.

وكذلك أفتوا بمذهب مالك في التفريق بين زوجة المفقود وزوجها بعد أربع سنوات لتغيّر الزمان؛ فقد كان الصلاح باديًا والمرأة إذا بقيت من غير بعل طوال عمرها لا تحوم حولها الشبهات، وتجد من أهل الخير من ينفق عليها؛ ولكن فسد الزمان فقل الخير وضعف الإيمان، وكذلك قالوا في ممتدة الطهر بمذهب مالك: أنها تنقضي عدتها بسنة من تاريخ الطلاق، قال في البزازية: الفتوى في زماننا على قول مالك، ووجهه تغير الأحوال والأزمان (1) .

ويعقب على مثل ذلك ابن عابدين بقوله: «اعلم أن المتأخرين الذين خالفوا النصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعلمهم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه، ولكن لا بدّ للمفتي والحاكم «القاضي» من نظر سديد، واشتغال كثير، ومعرفة بالأحكام الشرعية، والشروط الشرعية» (2) .

مجلة الأحكام تقول: لا ينكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان:

وبناء على هذا، جاءت مجلة الأحكام العدلية، التي احتوت القانون المدني للدولة العثمانية في عصرها الأخير، مأخوذًا من المذهب الحنفي، والتي كانت لا تزال تطبق في الكويت والأردن إلى عهد غير بعيد، لتثبت في إحدى موادها هذه العبارة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغيّر الأزمان» (3) [المادة: 39] .

قال شارحها:

إن الأحكام التي تتغيّر بتغيّر الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة؛ لأنه بتغيّر الأزمان تتغيّر احتياجات الناس، وبناء على هذا التغيير يتبدل أيضًا العرف والعادة، وبتغيّر العرف والعادة تتغيّر الأحكام، حسبما

(1) «تعليل الأحكام» للشيخ محمد مصطفى شلبي، ص 311 - 312.

(2) رسالة: «نشر العَرْف» ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، (2/ 125) .

(3) المادة (39) من المجلة، انظر: «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» لعلي حيدر، (1/ 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت