فهرس الكتاب
يحابيهم على حساب المسلمين، بل يخشى الله فيهم، ولا يحملهم فوق ما يطيقون، وهو ما حرص عليه عمر - رضي الله عنه.
وهذا هو مذهب سفيان الثوري، وأبي عبيد، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد، ذكر هذا ابن قدامة في «المغني» ورجحها: أن الجزية غير مقدرة بمقدار لا يزيد ولا ينقص منه، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فَيُزادُ ويُنقَصُ؟ يعني من الجزية.
قال: نعم، يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم، على قدر ما يرى الإمام، وذكر أنه زيد عليهم فيما مضى درهمان، فجعله خمسين. قال الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة، فإنه قال: لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع، فاستقر قوله على ذلك.
قال ابن قدامة: وهذا قول الثوري، وأبي عبيد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا، وصالح أهل نجران على ألفَي حلّة: النصف في صفر، والنصف في رجب. رواهما أبو داود (1) .
وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات: على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما، وصالح بني تغلب على مثلَيْ ما على المسلمين من الزكاة، وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام، ولولا ذلك لكان على قدر واحد في جميع هذه المواضع، ولم يجز أن تختلف.
قال البخاري (2) : قال ابن عيينة: عن ابن أبي نجيح، قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل اليسار ... ولأنها عوض فلم تتقدر كالأجرة (3) .
(1) في باب أخذ الجزية، من كتاب الخراج والفيء والإمارة، «سنن أبي داود» (2/ 149) .
(2) في باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، من كتاب الجزية «صحيح البخاري» (4/ 117) .
(3) انظر: «المغني» (ص 13/ 209 - 211) بتحقيق الدكتورين: التركي والحلو.