فهرس الكتاب
ونرى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب يوافق عثمان في مبدأ الأخذ والالتقاط، ولكن لا يوافقه في البيع، فقد أمر أن يُبنى لهذه الضوال مربد تعلف فيه علفًا - لا يُسمِنها ولا يُهزلها - من بيت المال، فمَن أقام بيّنةً على شيء منها أخذه، وإلا بقي على حالها، لا يبيعها (1) .
ولم يقصد علي ولا عثمان قبله مخالفة النص الناهي عن الالتقاط، بل فَهِمَا منه أنه فتوى في ضوء ظروف وأوضاع معيَّنة، إذا تغيَّرت تغيَّر الحكم معها، وإلا ضاع أموال الناس نتيجة التمسك بحرفية النص، وهو ما لم يقصده النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يرعى الحكمة والمصلحة في كل ما شرَع.
ومن ذلك: ما فعله معاوية بإقرار الصحابة - فيما عدا أبا سعيد الخدري - من اعتباره مُدَّين من بُرّ الشام تقوم مقام صاع من التمر (2) ، والمُدّان نصف صاع، والظاهر أنه رأى مصلحة الفقراء في البُرِّ أكثر.
ومثل ذلك: إجازة خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز دفع الدراهم في صدقة الفطر بدل الطعام، وهو مروي عن الحسن وعطاء وغيرهما، وهو ما أخذ به أبو حنيفة وأصحابه، عملًا بمقصود النص في تلك الصدقة، وهو «إغناء المساكين» في ذلك اليوم عن الطواف والسؤَال، وإشراكهم في مسرَّة العيد، وهذا قد يتحقق بدفع القيمة أكثر مما يتحقق ببذل الطعام، وخصوصا إذا لم يكن بالفقير حاجة إلى الطعام، ولم يكن أيضًا لدى المعطي، إنما يتكلف شراءه (3) .
والأمثلة كثيرة، وحسبنا هذه الملامح والإشارات.
(1) انظر: كتابنا «شريعة الإسلام» ، ص 141 - 143، طبعة المكتب الإسلامي ببيروت، ودار الصحوة بالقاهرة.
(2) انظر: كتابنا «فقه الزكاة» (2/ 938) وما بعدها والحديث رواه الجماعة عن أبي سعيد الخدري.
(3) المصدر السابق، ص 953 - 955.