فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 316

القَبَلِية قد تغيَّر الآن، وبهذا أخذ أبو حنيفة وغيره، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يعتبر ذلك خروجًا على النص، بل عملًا بمقصوده (1) .

ويمكن أن ينتقل هذا التناصر في عصرنا إلى «النقابات المهنية» ونحوها، فتتحمل الدية في قتل الخطأ عن أعضائها، وتصبح هي «عاقلتهم» على أن يُقنَّن ذلك بشروطه وضوابطه.

ومثل ذلك: ما فعله الخليفة الثالث عثمان بن عفان في ضالة الإبل، فقد سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فلم يأذن في التقاطها، وغضب على السائل قائلًا: «ما لك ولها! معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها» (2) فهي مكتفية بنفسها، بقدرتها على المشي، واختزانها للماء في جوفها، كما لا يخاف عليها من ذئب ونحوه، فلتترك حتى يأتي مالكها، فيليأخذها.

وهكذا ظلّت في عهد النبوة، وعهد أبي بكر، وعهد عمر، لا يمسكها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان، رأى رأيًا آخر، فقد أمر بأن تعرَّف ثم مُباع، فإذا جاء صاحبها أعطى ثمنها (2) .

وإنما فعل عثمان ذلك لما رأى من تغير أخلاق الناس، ودخول عناصر جديدة في المجتمع، واتساع العمران، وإمكان إخفاء هذه الضوال، أو نقلها وبيعها في مكان آخر، فرأى عثمان التعريف والبيع لحساب المالك، أحفظ لأموال الناس، وأرعى لمقاصد الشرع.

(1) انظر: كتابنا «كيف نتعاما مع السنَّة» ، ص 133، 134)،طبعة دار الوفاء.

(2) رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب: القضاء في اللقطة، ص 757، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ورواه البخاري في المساقاة، ومسلم في اللقطة كما في «اللؤلؤ والمرجان» حديث [1123] ، ومعنى (دقاؤها) : أي جوفها، تشرب فيه ما يكفيها حتى ترد ماءً آخر، وقيل: المراد طول عنقها، فلا تحتاج إلى ساقٍ يسقيها. ومعنى (حذاؤها) : أي أخفافها، فتقوى بها على السير وقطع المسافات البعيدة.

(3) انظر: «الموطأ» ص 759، وقد رواه عن ابن شهاب الزهري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت