فهرس الكتاب
بالحلال والحرام (1) - لم يجمد على ظاهر الحديث، بحيث لا يأخذ من الحَب إلا الحَب ... إلخ، ولكنه نظر إلى المقصد من أخذ الزكاة، وهو التزكية والتطهير للغني: نفسه وماله، وسد خلة الفقهاء من المؤمنين، والمساهمة في إعلاء كلمة الإسلام، كما تنبئ عن ذلك مصارف الزكاة، فلم ير بأسًئا من أخذ قيمة العَين الواجبة في الزكاة، وخصوصا أن أهل اليمن أظلهم الرخاء في رحاب عدل الإسلام، في حين تحتاج عاصمة الخلافة إلى مزيد من المعونات، فكان أخذ القيمة - ملبوسات ومنسوجات يمنية أيسر على الدافعين، وأنفع للمرسَل إليهم من فقراء المهاجرين وغيرهم في المدينة.
وهذا ما ذكره البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، ورواه البيهقي في سننه بسنده عن طاوس عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة (2) .
وهذا ما ذهب إلى الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري من جواز أخذ القيمة بدل العَين في الزكاة، وروي عن أحمد في غير زكاة الفطر، وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه، وافق فيه الحنفية على كثرة ما خالفهم؛ إذ وجد الدليل معهم (3) .
ووجدنا الفاروق عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة ينقل العاقلة من «القبيلة» إلى «الديوان» بعد أن دوَّن الدّواوين، وقيّد عليها المستحقين للعطاء من الدولة، وذلك أن «التناصر» الذي كان أساسه من قبلُ: العصبية
(1) جزء من حديث: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر ... الحديث» ، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي عن أنس كما في «صحيح الجامع الصغير» [895] .
(2) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: أخذ العروض في الزكاة، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 113) .
(3) انظر «فقه الزكاة» : (2/ 809 - 814) طبعة مكتبة وهبة.