فهرس الكتاب
الوضع الآخر، لو استبدل منها ما اقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.
لماذا يكون الصوم شهرا ولَا يكون ثلَاثة أسابيع أو خمسة؟ لماذا تكون حصة الزكاة جزءا من عشرة أجزاء ولَا تكون جزءا من تسعة أو من خمسة عشر؟
لماذا نركع ونسجد ولَا نصلي قياما أو قياما وركوعا بغير سجود؟
من اعترض بأمْثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فرض الصيام ثلَاثة أسابيع أو فرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار أو فرضت الصلَاة على وضع غير وضعها الذي اتفق عليه أتباع الدين.
وليس معنى ذلك أن هذه الأوضاع لَا تعرف لها أسباب تدعو إليها وتفسر لنا اتباعها دون غيرها، ولكنها في نهاية الأمر أوضاع توقيفية لا موجب من العقل للتحكم فيها بالاقتراح والتعديل؛ لأن المقترح المعدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها، ويميل إلى سواها.
ويسري هذا على كل تنظيم في أمور الدنيا، ولا يسري على أمور الدين وحده.
فلماذا يكون عدد الكتيبة في جيش هذه الأمة خمسين مثلا ويكون في أمة غيرها أربعين أو مائة؟
ولماذا يجعل اللون الأخضر رمزا لهذا المعنى في ألوان العلم القومي عند قوم من الأقوام، وهو مجهول لغير هذا المعنى عند أقوام آخرين؟
لا مناص في النهاية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل والمجادلة فيها (1) .
وقد ضل قوم حاولوا أن يفهموا الحكمة في كل جزئية من جزئيات العبادة، فلما خفيت عليهم أسرار بعض التفصيلات في عبادة كالحج، شكّوا وشكّكوا وهم في شكّهم وتشكيكهم ضالون عن سواء السبيل.
(1) «حقائق الإسلام» للعقاد، ص 108، 109.