فهرس الكتاب
وكما أخفى كثيرا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عنه بعض أسرار ما شرع، ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعا بأشْواقه وراء المجهول، آملا في الوصول، معترفا بالقصور ... وليظل دائما في دئرة العبودية المؤمنة التي شعارها دائما: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ} [البقرة: 285] .
قد ذكر الإمام الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» : «أن العبادات لصحة قلب الإنسان، كالأدوية لصحة بدنه، وليس كل إنسان يعرف خواص الدواء وسر تركيبة إلا الطبيب أو العالم الذي اختص بمعرفته، وكل مريض يقلد الطبيب في ما يصف له من دواء ولا يناقشة فيه، قال: فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لَا ببضاعة العقل، وكما أن اختلَاف الأدوية في المقدار والوزن والنوع، لَا يخلو من سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى إن السجود ضعف الركوع، وصلَاة الصبح نصف صلَاة العصر في المقدار، فلَا يخلو عن سر من الأسرار، وهو من قبيل الخواص التي لَا يطلع عليها إلَا بنور النبوة، فقد تحامقَ وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق لا من سر إلهي فيها» (1) .
وبهذا علم أنه من الخطأ البين أن نطلب لكل تفصيل من تفصيلَات العبادة حكمة تقنع العقل، وتشبع نهمه، ولَا سيما ذلك العقل المادي الحديث الذي لَا يشبعه إلَا الحسية والنفعية.
فالعبادات - كما قال الأستاذ العقاد - شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولَا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها إلَا أمكن أن يتجه إلى
(1) «المنقذ من الضلال» للإمام الغزالي بتصرف.