فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 316

المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل» (1) .

وهذا كلام ينبغي أن نعضّ عليه بالنواجذ، وأن نواجه به الجامدين الذين يتمسحون بابن القيم وشيخه ابن تيمية، ولكنهم لم يحملوا عنهما هذه الروح، وهذه البصيرة، التي تنظر إلى الشريعة هذه النظرة، وترى ذلك أساسًا لتغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والإنسان، وفقًا للمقاصد والأهداف والمصالح التي راعاها الشارع عند تشريعه للحكم، إيجابًا واستحبابًا، أو تحريما أو كراهة أو إباحة.

والأدلة على وجوب تغير الفتوى بتغيّر موجباتها كثيرة لا يتسع المقام لها هنا، وقد بينَّاها في كتب أخرى (2) وسنعود إليه في حديثنا عن «فقه الواقع» وتغيّر الفتوى بتغيّره.

إنما الذي يهمنا ذكره وتأكيده هنا ما نبَّه عليه ابن القيم، وهو ارتباط ذلك بتقرير قيام الشريعة على رعاية المصالح، وعلى هذا الأساس يجب مطاردة فكرة «الحيل» التي انتشرت لدى بعض المتأخرين للتحايل على فعل بعض المحرَّمات، أو إسقاط بعض الواجبات.

كما نؤكد هنا أن كل حكم شرعي لا بدّ أن يكون وراءه تحقيق مصلحة: ضرورية أو حاجية أو تحسينية، وفق تقسيم الأصوليين لمراتب المصالح، وقد يكون تحقيق المصلحة في صورة سلبية، بمعنى درء المفسدة.

وقد جوَّد الإمام أبو إسحاق الشاطبي في «موافقاته» الحديث عن هذه «المقاصد» وأفرد لها جزءًا خاصا من كتابه ينبغي أن يُراجَع (3) .

(1) «إعلام الموقّعين» (3/ 14 - 15) .

(2) انظر: كتابنا «مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية» فصل: تغير الفتوى، ضمن عوامل السعة والمرونة في الشريعة، ص 200 - 229.

(3) انظر: الجزء الثداني من «الموافقات» ، وانظر: «مقاصد الشريعة الإسلامية» لابن عاشور، وانظر: ما كتبناه عن المقاصد في كتابنا: «مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية» ، وفي دراستنا عن (أصول الفقه الميسر) المنشدورة في: «حولية كلية الشريعة» بجامعة قطر، العدد الحادي عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت