إذا تترس العدو في الحرب بالمسلمين عنده، بأن اتخذ منهم «دروعًا بشرية» وضعهم أمام الجيش المسلم في الحرب، فهل يجوز أن نهاجم العدو ونضربه بالرماح والنبال والحراب وغيرها «كالقنابل والصواريخ في عصرنا» ، فنقتل المسلمين، الذين عصم - إسلامهم دماءهم، أو نترك العدو يزحف علينا متترسًا بهؤلاء الذين وضعهم في مقدمة جيشه؟
قال الغزالي: إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم، لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس، لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكلّ حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا: أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتًا إلى مصلحة، علم - بالضرورة - كونها مقصود الشرع، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق - وهو قتل من لم يذنب - غريب لم يشهد له أصل معين.
فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها، باعتبار ثلاثة أوصاف: أنه ضرورة ... قطعية ... كلية.
وقد اعترض الغزالي على نفسه بأن استئصال الكفار للمسلمين أمر مظنون، فكيف نجيز قتل الترس بهذا المظنون؟ وأجاب بقوله: إنما نجوز ذلك عند القطع، أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كليا، وعظم الخطر فيه، فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه (1) .
(1) انظر: «المستصفى» للغزالي جـ 2 (487 - 494) بتحقيق: حمزة زهير حافظ المدينة المنورة.