فهرس الكتاب
زمنه ما يدعو إليه، فإن ذلك من الأمور الاجتهادية التي تختلف باختلاف العصور والبلدان والأحوال، وعمر حين فعل ذلك لم يعطّل نصًّا ولم ينسخ شرعًا، فإن الزكاة تعطى لمن يوجد من الأصناف الثمانية التي جعلهم الله تعالى أهلها، فإذا لم يوجد صنف منهم سقط سهمه، ولم يجز أن يقال: إن ذلك تعطيل لكتاب الله أو نسخ له.
فإذا لم يوجد صنف «العاملين عليها» لعدم قيام حكومة مسلمة، تجمع الزكاة وتوزّعها على مستحقيها، وتوظف مَن يقوم بذلك، فقد سقط سهم العاملين عليها.
وإذا لم يوجد صنف «في الرقاب» كما في عصرنا الذي ألغي الرقّ الفردي، فقد سقط هذا السهم، ولا يقال في سقوط هذا السهم أو ذاك: إنه نسخ للقرآن أو تعطيل للنص.
وإذن، فما صنعه عمر ليس نسخًا لحكم إعطاء المؤلفة قلوبهم بوجه من الوجوه، فضلًا عن أن يكون إجماعًا على ذلك، وكذلك قول الحسن والشعبي: «ليس اليوم مؤلفة» ليس قولًا بالنسخ بحال، وإنما هو إخبار عن الواقع في زمنهم.
إن النسخ إبطال حكم شرعه الله، وإنما يملك الإبطال من يملك التشريع، وليس ذلك إلا لله - عزّ وجلّ - عن طريق الرسول الموحى إليه، ولهذا لا نسخ إلا في عصر الرسالة ونزول الوحي، وإنما يعرف ذلك بالنص عليه من الشارع نفسه، أو بتعارض نصّين ثابتين تعارضًا تاما لا يُستطاع معه الجمع بينهما بوجه من الوجوه، وعرف تاريخ كلّ منهما، فلا نجد بُدًّا من القول بنسخ المتأخّر للمتقدم، فهل في مسألتنا شيء من ذلك؟ هل هنالك نص من قرآن أو سنة عارض النص على المؤلفة قلوبهم فضًلا عن نصّ صريح بنسخه؟!
إن الإجابة عن ذلك بالنفي الجازم بلا ريب، فكيف يدعي نسخ حكم نصّ عليه آية صريحة من كتاب الله، وانقضى عصر الرسالة وهو محكم معمول.
(1) «رد المحتار» (2/ 82) نقلًا عن البحر.