فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 316

وقد قال الشاطبي في مثل هذا المقام: «إن الأحكام إذا ثبتت على المكلّف، فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق، ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر؛ لأنه رفع للمقطوع بالمظنون» (1) .

وإذا كان خبر الواحد بإجماع المحققين لا ينسخ القرآن، مع أنه خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف ندعي نسخه بقول صحابي أو عمله؟ وهو عند التأمل لا يحمل أي معنى من معاني النسخ.

وقبل الشاطبي قال ابن حزم: «لا يحلّ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة» هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله - عزّ وجلّ - يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 3] ، فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيّه، ففرضٌ اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ، فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا، فهو مغترّ مبطل، ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يئول إلى إبطال الشريعة كلها؛ لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما، أو حديث ما، وبين دعوى غيره في آية أخرى وحديث آخر، فعلى هذا لا يصلح شيء من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الإسلام، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه» (2) . ا. هـ.

(1) «الموافقات» (3/ 64) .

(2) «الإحكام في أصول الأحكام» الباب العشرون، فصل في: كيف يعلم المنسوخ، (1/ 458) ، طبعة الإمام بمصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت