فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 316

وإليها، تؤخذ من أغنيائها وترد على فقرائها، وليست كضرائب الملوك السابقين، حيث كان تؤخذ من الفقراء والكادحين، لتصرف على أبهة الملك وحاشيته، ولو كان ذكر الفقراء هنا ينفي المؤلفة لنفي بقية الأصناف من العاملين عليها، والرقاب، والغارمين، وغيرهم، ولم يقل بذلك أحد.

ولهذا قال علاء الدين بن عبد العزيز من الحنفية: الأحسن أن يقال: هذا تقرير لما كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت، لغلبة أهل الكفر، وكان الإعزاز بالدفع، ولما تبدّلت الحال بغلبة أهل الإسلام، صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين، والإعزاز هو المقصود، وهو باقٍ على حاله، فلم يكن ذلك نسخًا، قال: وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة، فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده على أهل الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخًا، بل كان تقريرًا للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار. ا. هـ. واستحسنه في النهاية، وهو حسن، ولكن مقتضى هذا التوجيه: أن الإسلام إذا ضعف - كما في عصرنا - يجوز إعزازه بالإعطاء، ولا يقول بذلك الحنفية، ولذلك تعقبه ابن الهمام بأن ما قاله لا ينفي النسخ، لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتًا وقد ارتفع (1) .

وذكر الكاساني في «بدائع الصنائع» كلاما خلاصته ترجع إلى أمرين هامين:

الأول: نسخ الحكم، وأن الذي نسخه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.

الثاني: أن حكم التأليف ثبت لمعنى معقول، وهو الحاجة إلى المؤلفة

(1) انظر: تفسير الآلوسي (3/ 327) ، وانظر: كتابنا «فقه الزكاة» (2/ 647) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت