فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 316

أبدًا، ولهذا اعتبروا هذا ضربًا من النسخ للحكم الثابت، فقد قاله عمر، ووافقه الصحابة، وذلك يعدّ إجماعًا.

والحق أن عمر قال ما قاله لمؤلفة زمانه، مقررًا أن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، وهي حقيقة واقعة، ولكن عمر ولا غير عمر يعلم ما يجري به قلم القدر غدًا، والدهر قلب، ودوام الحال من المحال، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

وجمهور الفقهاء خالفوا الأحناف في اجتهادهم، ولم يلغوا سهم المؤلفة، والأدلة كلها معهم، كما بيّنّا ذلك بأدلته في كتابنا «فقه الزكاة» .

وعلماء الحنفية مختلفون في تعيين الناسخ الذي نسخ حكم المؤلفة، وهو ثابت بالنص القرآني القاطع، فبعضهم ادعى أنه الإجماع، وحاول أن يجعل من موقف عمر من المؤلفة في زمنه إجماعًا، وهيهات، فقد علمت ما فيه، وبعضهم بحث عن مستند لهذا الإجماع المدّعى زعم أنه هو الناسخ، ثم اختلفوا في تعيين هذا المستند، فجعل ابن نجيم في «البحر» الآية التي روى أن عمر ذكرها في مواجهة المؤلفة، وهي قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [من سورة الكهف: 29] ، قال ابن عابدين:

وإنما لم يجعل الإجماع ناسخًا، لأنه خلاف الصحيح؛ لأن النسخ لا يكون إلا في حياته - صلى الله عليه وسلم - والإجماع لا يكون إلا بعده، وبعضهم جعل المستند حديث إرسال معاذ إلى اليمن، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم (1) .

والحق أن كل هذا تمحّل لا يجوز نسخ نص قاطع بمثله، فآية الكهف: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} مكية بيقين، فكيف يستند عليها في نسخ جزء من آية مدنية نزل بعدها بسنين طويلة؟! وأين التعارض في الآيتين حتى تنسخ إحداهما الأخرى؟! ومثل ذلك حديث معاذ، فليس فيه إلا أن الزكاة من الأمة

(1) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه (2/ 83) طبعة إستانبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت