فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 316

النساء في الطريق، أو خطفهن واغتصابهن، أو الاتجار في الأغذية الفاسدة والملوثة ... إلى غير ذلك من الآفات والرذائل التي تنتشر في المجتمع، ولا تجد الردع الكافي، ويكتفي فيها بالوعظ والإرشاد، مع ما علم أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وهناك مئات من المعاصي والمخالفات والمنكرات، التي نهى عنها الشرع، أو أمر بضدها، ولكنه لم يضع لها عقابًا محددًا، وتحتاج إلى تقنين.

بل أرى أن من حاجات عصرنا ومصالحه: أن «تقنن» الفقه الإسلامي في صورة مواد مرقَّمة ومنضبطة، على غرار القوانين الحديثة، وهو ما أخذت به الدولة العثمانية في عهودها الأخيرة، حين قننت «فقه المعاملات» على المذهب الحنفي، أو - بعبارة أدق - على المفتى به في المذهب غالبًا، وذلك ما تضمنته «مجلة الأحكام العدلية» الشهيرة، والتي ظلت أحكامها سارية في بعض البلدان العربية مثل: الأردن والكويت إلى وقت قريب.

إلا أنني أنصح ألا يكون التقنين في عصرنا ملتزما بمذهب واحد، بل بالشريعة الرحبة، بمجموع مدارسها ومذاهبها، بل يستفاد من كل الثروة الفقهية، ولو من خارج المذاهب، كفقه الصحابة والتابعين ومن بعدهم، من نظراء الأئمة وشيوخهم، وممن انقرضت مذاهبهم. فلا ينبغي أن نضيق على أنفسنا بالتزام مذهب واحد، وقد وسّع الله علينا.

كما أنصح بمراجعة «التقنينات» التي نصدرها على ضوء التطبيق الفعلي، ما بين فترة وأخرى، لنحذف ما ينبغي حذفه، ونضيف ما ينبغي إضافته، ونعدِّل ما ينبغي تعديله (1) .

ومن ذلك: ما ذكرناه من تقنين «التعزيرات» التي تركها الشرع لتقدير الأئمة والقضاة، في كل مخالفة شرعية أو معصية، لا حد فيها ولا كفارة.

وما يختاره الإمام أو وليّ الأمر من التقنين، يعتبر رأيًا له يعمل به بشرطه.

(1) انظر: رسالتنا (الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت