وكذلك يقال عن الإمامة أو الحكم بما أنزل الله هو من الفروع، ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه، والإيمان بالاحتكام إلى ما أنزل الله في كتابه، ومتابعة رسوله هو من الأصول يقينًا، ومن صميم الإيمان.
وفي هذا يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ... } إلى أن قال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 60 - 65]
وفي سورة أخرى يقول: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47 - 51] .
وبهذا المعنى يدخل الحكم بما أنزل الله دائرة الإيمان، ويُعدّ من الأصول بلا نزاع.
والحقيقة أن النزاع بيننا وبين العلمانيّين الأقحاح، الذين يقولون بضرورة عزل الدين عن المجتمع والدولة، وحصره في ضمير الفرد، فإن سمح له بالخروج ففي حدود المسجد لا يتعداه، ولكنه المسجد الموجّه من قِبل الدولة، لا المسجد الحر الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر - النزاع بيننا وبين هؤلاء ليس في مسألة من مسائل الفروع، بل هي في قضية من قضايا الأصول، لأنها تتعلق بـ «حاكمية الله»
تعالى هل من حقه عزّ وجلّ أن يحكم خلقه، ويأمرهم وينهاهم، ويحلل لهم ويحرم عليهم أم لا؟