فهرس الكتاب
والشام، لم يستجب لبلال ومن معه، الذين سألوه أن يقسّمه الأرض على الفاتحين، كما تقسّم بينهم غنيمة العسكر، فأبى عمر ذلك عليهم، وتلا عليهم آيات سورة الحشر: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] [إلى آخر الآيات التي ذكرناها من قبل.
قال عمر: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، ف حول قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه.
ومعنى «دمه في وجهه» أن كرامته مصونة؛ إذ يقال لمن يسأل الناس: أراق ماء وجهه (1) .
وقد نبهت الآية الكريمة على حكمة توزيع هذا الفيء على الطبقات الضعيفة المحتاجة بهذه الكلمة الرائعة: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} فسبقت بهذا المبدأ ما نادى به - بعد قرون طويلة - دعاة العدالة الاجتماعية وأنصار الاشتراكية.
وقررت الآيات توزيع عائد الفيء توزيعًا عادلًا، لا زال غرة في جبين الإنسانية، فجعلت نصيبًا فيه للجيل الحاضر من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وصودرت ملكياتهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومن الأنصار الذين فتحوا صدورهم ودورهم لإخوانهم المهاجرين فآووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
وأشركت مع هذا الجيل الذي بذل وضحى أجيالًا أخرى، عبر عنهم القرآن بقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] . وبهذا علمتنا الآيات الكريمة
(1) «الخراج» لأبي يوسف (23، 24) .