فهرس الكتاب
وفي صلح الحديبية رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يُغَلّب المصالح الحقيقية والأساسية والمستقبلية على بعض الاعتبارات التي يتمسك بها بعض الناس، فقَبِلَ من الشروط ما قد يُظنّ لأول وهلة أن فيه إجحافًا بالجماعة المسلمة، أو رضًا بالدون، ورَضِيَ أن تحُذف البسملة المعهودة، ويُكتَب بدلها «باسمك اللهم» وأن يُمحَى وصف الرسالة من عقد الصلح، ويكتفى باسم محمد بن عبد الله ... والأمثلة كثيرة، والمجال ذو سعة.
وإذا تعارضت المفاسد والمضار، ولم يكن بُدّ من بعضها، فمن المقرَّر أن يُرتكب أخف المفسدتين، وأهون الضررين.
هكذا قرَّر الفقهاء: أن الضرر يُزال بقدر الإمكان، وأن الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه، وأنه يُتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
ولهذا أمثلة وتطبيقات كثيرة ذكرتها كتب «القواعد الفقهية» أو «الأشباه والنظائر» .
ونحن نقول هنا: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، أو المنافع والمضار، فالمقرَّر أن يُنظر إلى حجم كلٍّ من المصلحة والمفسدة، وأثرها ومداها؛
-فتُغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة.
-وتُغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى.
-وتُقبل المفسدة وإن كبرت إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها.
وفي الحالات العادية: يُقدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة.
وليس المهمّ أن نُسَلّم بهذا الفقه نظريا ... بل المهمّ كل المهمّ أن نمارسه عمليا.
فكثير من أسباب الخلاف بين العلماء والدعاة في عصرنا، وكذلك بين الفصائل العاملة للإسلام، يرجع إلى هذه الموازنات.