غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 145] وهو موقوف على ابن عباس (1) . فدل الحديث النبويّ، وحديث ابن عباس على أن هذه المنطقة متروكة «قصدًا» من الله تعالى، عفوًا وتوسعةً على عباده، ورحمة بهم، من غير نسيان منه {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] كما جاء في الحديث الآخر الذي رواه أبو ثعلبة الخُشَني عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوْهَا، وَفَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوْهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوْا عَنْهَا» رواه الدارقطني وذكره النووي في الأربعين النووية الشهيرة، وحسّنه، ونازعه غيره (2) . وهو يؤكّد ما ثبت بحديث أبي الدرداء المرفوع، وحديث ابن عباس الموقوف، وما أيّده الاستقراء، وهو: أن الشارع الحكيم لم ينصّ على كل شيء، بل هناك أشياء ترك النص عليها مطلقًا، وأشياء نص عليها بإجمال، على وجه كلي، وأشياء نص عليها بالتفصيل المناسب لها.
وبالاستقراء عرفنا أن ما يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والإنسان تغيرًا كليًّا وجذريا، ترك الشارع النص عليه، وهو «منطقة العفو» التي تحدثنا عنها، وهي متروكة لاجتهاد العقل الإسلامي، يشرع لها ما يناسب زمانه ومكانه في ضوء النصوص ومقاصد الشريعة العامة. وما يتغيّر بعض التغيير نص عليه
(1) رواه أبو داود [3800] ، وإسناده صحيح، والحاكم (4/ 115) ، وصحح إسناده ووافقه الذهبي.
(2) وحسّنه قبل النووي السمعاني في أماليه. وقد رواه الدارقطني (4/ 183) ، والطبراني في «الكبير» (22/ 589) ، والبيهقي (10/ 12) ، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 17) ، ورجّح الدارقطني المرفوع. وانظر: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثلاثون (2/ 120) ، وكلام الشارح والمحقق على الحديث. كما أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 171) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وقال: ورجاله رجال الصحيح. وفيه: و «غَفَلَ عَنْ أَشْيَاءَ» بدل «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ» وهي لفظة لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى. ولهذا قال الهيثمي: وكأن بعض الرواة ظن أن هذا معنى «وَسَكَتَ» فرواها كذلك. والله أعلم.