الكلامِ أن يُحمَلَ على الحقيقةِ وأنَّهُ لا يَجوزُ الخُروجُ عنها إلى المجازِ إلا عِندَ تَعَذُّرِ الحقيقةِ أو لِقَرينَةٍ عَقليَّةٍ أو عُرفيَّةٍ أو لَفظيَّةٍ، كما هو مُفصَّلٌ في مَحلِّهِ، وَمَعَ ذلكَ فإنكَ تَراهُم يُخالِفونَ هذا الأصلَ الذي أصَّلُوهُ لأتفهِ الأسبابِ وأبعَدِ الأمورِ عَن مَنطِقِ الإنسانِ المؤمنِِ بِكَلامِ الله وَحَدِيثِ نَبيِّهِ حَقا. مختصر العلو للعلي الغفار ً22.
س)- ما قولكم في قَولِهِ تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) البقرة: 15]، وَقَولُُُهُ: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) التوبة: 79 ] وأمثالِها مِن الآياتِ المتشابِهَةِ؟
السَّلَفُ كانوا يَقُولونَ في مِثلِ هذهِ الآيةِ وأشباهِها: أمِرُّوها كَما جاءَت ، وَهُم لا يَعنُونَ أمِرُّوها بلا فَهمٍ ، ولكن أمرُّوها كما جاءَت بِفَهمٍ صَحيحٍ ، وَبِدون تَشبيهٍ وَتَكييفٍ ، أو تأويلٍ وَتَعطيلٍ .
قال الله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [الشورى: 11] ، فَفي هذه الآيةِ تَنزيهٌ ، وَفيها إثباتٌ لِصِفَتي السمعِ والبصرِ ، فَمَعنى التنزيهِ: أنَّنا نُثبِتُ الصِّفَةَ التي وَصَفَ الله بِها نَفسَهُ ، أو وَصَفَهُ بِها رَسُولُهُ ، كَما يَليقُ بِعَظَمَتِهِ سُبحانَهُ وَتَعالى ، ولا نُكيِّفُ ذلك فَنَقولُ: سَمعُهُ كَسَمعِنا ، وَبَصَرُهُ كَبَصَرِنا ، كَما أنَّنا لا نَتأوَّلُ ذلكَ كَما فَعَلَ بَعضُ غُلاةِ المعتزلةِ ؛ حَيث أوَّلوا السمعَ والبَصَرَ بالعِلمِ ، معَ أنَّ الله قَد وَصَفَ نَفسَهُ في غَيرِ ما آيةٍ في القرآنِ الكريمِ بالعِلمِ ، فَتأويلُ أولئكَ للسَّمعِ والبصرِ بالعلمِ تَعطيلٌ ، الذي قالَ عَنهُ العُلماءُ: المعطِّلُ يَعبُدُ عَدَمَاً ، والمُجَسِّمُ يَعبُدُ صَنَماً.
وعلى هذا نَقولُ في الآيتينِ السابِقَتَينِ الوارِدَتَينِ في السؤالِ: مِن استِهزاءِ الله عزَّ وجلَّ وَسُخريَتِهِ ، انَّه استهزاءٌ وَسُخرِيَةٌ يَليقُ بالله عزَّ وجلَّ. السؤال الحادي عشر من الفتاوى الامارتية: 122-123.
س)- (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5] فما معنى استوى؟
معنى استوى بدون تأويل: استعلى، وهذا هو تفسير السلف، ومنهم أبو العالية، كما رواه البخاري في صحيحه. أما الخلف فيؤولون الآية، أي: يخرجون معناها عن ظاهرها إلى معنى آخر يبدو لهم، فيقولون -مثلاً-: استوى أي: استولى، فهذا المعنى الذي فيه خروج عن ظاهر الآية هو التأويل، والأمثلة على ذلك كثيرة: فمثل قوله تبارك وتعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) [الفجر:22] فتفسير هذه الآية (وجاء ربك) كما قال بعض السلف: تفسيرها قراءتها، أي: أمر ظاهر (جاء ربك والملك) . أما تأويلها، بمعنى إخراج النص عن ظاهره (جاء ربك) أي: بعض آيات ربك، أو بعض ملائكة ربك، فهذا هو التأويل. فإذاً: التأويل في الاصطلاح هو: الإتيان بمعنى للنص، سواء كان قرآناً أو سنة، لا يجري عليه ظاهر النص، وإنما