فهموا أن الله تعالى لما قال: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} أثبت لفريق من الناس نصيبًا من الزكاة بوصف معين هو مناط الاستحقاق، ووجوب الإعطاء، ذلك هو كونهم «مؤلفة قلوبهم» .
ولما كان التأليف ليس وصفًا طبيعيا يحدث للناس كما تحدث الأعراض الطبيعة، بل هو شيء يقصد إليه ولي الأمر، إن وجد الأمة في حاجة إليه، ويتركه إن وجدها غير محتاجة إليه، فإذا اقتضت المصلحة أن يؤلف أناسًا وألّفهم فعلًا أصبح الصنف موجودًا فيستحق، وإذا لم تقتض المصلحة ذلك فلم يتألف أحدا، فإن الصنف حينئذ يكون معدومًا، فلا يقال إنه منعه لأنه ليس معنا أحد يجري عليه الضمير البارز في «منعه» .
وبذلك يتبين أن النص لم يعطل ولم يعلق، وإنما المحل هو الذي انعدم، فلو أن ظرفًا من الظروف على عهد عمر أو غيره من بعده قضى بأن يتألف الإمام قومًا فتألفهم، لأصبح الصنف موجودًا، فلا بد من إعطائه.
وقد يرد على هذا أن المؤلفة قلوبهم كانوا موجودين فعلًا على عهد عمر، وهم الذين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تألفهم، فعمر منعهم مع وجودهم، فلا يقال إذن: انعدم الإعطاء لعدم وجود الصنف، وإنما هو لمعنى مصلحي قدره عمر وهو: أن الإسلام قد أعزّه الله، ولم يعد هناك سبب للتأليف، وهذا يتفق مع ما يقرره بعض العلماء من أن إعطاء المؤلفة قلوبهم حكم معلل بحاجة الإسلام إلى التأليف، فإذا انتفت علته انتفى؛ لأن الحكم المعلل يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
قد يرد علينا هذا، وربما كان عبارة عمرالمروية في هذا الشأن وهي قوله: «إن الله قد أعز الإسلام وأغنى عنكم» مؤيدة لهذا الإيراد.
ونقول في الرد على ذلك: إن قول عمر للمؤلفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون