بما أنزل الله إليه، ونهاه عن اتباع أهوائهم، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، فقال - عزّ وجلّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] .
ومن أعجب ما كتبه بعض المعاصرين: أن الله تعالى إنما أمر رسوله أن يحكم بما أنزل الله بين أهل الكتاب، لا بين المسلمين، فقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الضمير في {بَيْنَهُمْ} لأهل الكتاب.
وإني لأعجب كيف يترك الله كتابًا للمسلمين، هو مصدر عقيدتهم وشريعتهم، وروح وجودهم، ثم لا يؤمر المسلمون أن يحكموا بهذا الكتاب، وإنما يحكم به بين غير المسلمين وحدهم؟!!
إن أولى الناس أن يحكم بينهم بما أنزل الله هم المسلمون، الذين أنزل لهم الكتاب، وبعث لهم الرسول، ولا يتم لهم إيمان إلا إذا رضوا بحكم الله ورسوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .
إن الناس لن يستغنوا عن هداية الله، وإن بلغوا من العلم ما بلغوا؛ لأن القصور البشري سيظل يحكمهم، وعلم الله أكبر من علمهم: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
على أن الإنسان قد يعرف الصواب من الخطأ، ويميز الخير من الشر، ولكن تغلبه الشهوات والمصالح الآنية والمادية، فتجعله يحل لنفسه ما يجب أن يحرم، ويوجب على نفسه من الأمور ما لا ينبغي، ويسقط عنها ما لا يجوز أن تعفى منه.
وأعظم مثل على ذلك: إباحة الولايات المتحدة الأمريكية الخمر، بعد أن حظرتها، وأصدرت تشريعًا بذلك، ثم ضغطت عليها الشهوات والمصالح، فألغت الحظر، وهي تعلم ما وراءه من مآثم وأضرار على العقول والأجسام والأخلاق والاقتصاد والأسر والجماعات.