من أهم ما انتهت إليه هذه المدرسة المعطلة: ظنها أو توهّمها: أن توجد مصالح حقيقية تعارض النصوص القطعية، وأنه إذا وجد هذا التعارض، رجحت المصلحة على النص؛ لأن الأحكام إنما شرعت لرعاية مصالح الخلق، فلا يعقل أن تعود عليها بالإبطال، فإذا وجدنا مصلحة يعارضها النص، «علقنا» النص، وأمضينا المصلحة، ولهذا أثر عن بعض المجتهدين المعتبرين قولهم: حيث توجد المصلحة فثَمَّ شرع الله.
ويستند القائلون بهذا الرأي - وهم عادة من خارج نطاق علماء الشريعة - إلى ظاهر ما قاله نجم الدين الطوفي (ت 716 هـ) في شرحه لحديث: «لَا ضرر ولا ضرار» (1) عن التعارض بين النص والمصلحة، وتقديمه المصلحة على النص إذا تعارضا، ويفسرون رأيه تفسيرًا يخدم فكرتهم العلمانية الدخيلة، وقد بيّنّا خطأهم في فهم مذهب الطوفي، وسنزيده بيانًا بعد.
والحق أن هذه الدعوى العريضة لا يؤيدها دليل من العقل ولا من النقل ولا من الواقع، بل تنقضها الأدلة كلها من صرائح العقول وصحاح النقول وثوابت الوقائع.
فإن الذي أنزل هذه الشريعة الإلهية، وبيّن أحكامها، وكلف خلقه العمل بها، هو الذي خلق الناس، وعلم ما هم في حاجة إليه من الأحكام فشرّعه، وعلم ما يصلحهم ويرقى بهم من الشرائع فألزمهم به {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
فهو أعلم بهم من أنفسهم، وأبر بهم من أنفسهم، وأرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم.
وإذا كان خالق الإنسان هو منزل الشريعة، فلا يُتصور أن يتناقض ما شرعه
(1) رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وابن ماجه عن عبادة بن الصامت، انظر: «إراواء الغليل» للألباني، ص 896، وهو صحيح بمجموع طرقه، ومعناه مقطوع به من استقراء أحكام الشريعة النافية للضرر والضرار، الثابتة بالقرآن والسنَّة، ولهذا عدّ من القواعد الشرعية المسلمة عند الجميع.