فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 316

وربطها بالحكم والمصالح، بل استدل الذين يقولون: «شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخ» بقولهم: إن شرع الله تعالى الحُكم في حق أمة يدل على تعلق المصلحة به، فإنه حكيم لا تخلو حكمته عن مصلحة، ويدلّ على اعتبار الشرع له، فلا يجوز العدول عنه حتى يدل على نسخه دليل (1) .

ولهذا قرر المحققون أن الشريعة إنما شرعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، سواء أكان هذه المصالح ضرورية أم حاجية أم تحسينية، وهي القواعد الثلاث التي قامت عليها الشريعة.

وقال الإمام الشاطبي: إن هذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعًا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، أن اعتبارها مقصود للشارع.

ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على الاستقراء المعنوي، الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد، تجتمع عليه تلك الأدلة، على حد ما ثبت عن العامة جود حاتم، وشجاعة علي - رضي الله عنه -، وما أشبه ذلك، فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة.

وما ذكره العلامة الشاطبي في المغرب وفصّل فيه القول في جزء كامل من كتابه الفريد «الموافقات» قرره قبله علماء محققون في المشرق، منهم الإمام ابن

(1) «روضة الناظر» لابن قدامة، ص 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت