القيم، الذي أكد أن الشريعة أساسها ومبناها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، رحمة كلها، حكمة كلها، مصالح كلها (1) .
ومثل ذلك ماقرره شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقبل هؤلاء قرر حجة الإسلام الغزالي أن مقصود الشرع من الخلق: أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم، وأضاف الإمام شهاب الدين القرافي، وأعراضهم.
وهذا ما تؤمن به المدرسة الوسطية التي تنظر إلى النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية، وترى أن الله تعالى لم يشرع الأحكام إلا لمصلحة عباده، وأنه لا يوجد حكم شرعي مقطوع به يخالف مصلحة للناس مقطوعًا بها؛ لأن الذي أنزل هذه الشريعة وأوجب على الناس الاحتكام إليها، هو الذي خلق الناس وأمدهم بنعمه، وعلّم ما يصلحهم ويرقى بهم من الشرائع فألزمهم به. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] فهو أعلم من أنفسهم، وأبرّ بهم من أنفسهم، وأرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم.
وإذا كان خلق الإنسان هو منزل الشريعة، فلا يتصور أن يتناقض ما شرعه مع مصلحة عباده، إلا أن يكون غير عالم بذلك حين شرعه، وهذا لا يقول به مسلم، أو يكون عَلِمَه، ولكنه أراد أن يعنّتهم ويلزمهم العسر والحرج، وهذا منفي بالنصوص القاطعة، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220] .
(1) «إعلام الموقّعين» .