ولهذا كان تصور مصلحة حقيقية تعارضها النصوص القطعية، تصورًا نظريا أو افتراضيًا محضًا، لا وجود له في أرض الواقع.
وينبغي أن نحرر محل النزاع هنا، وهو التعارض بين قطعي النصوص، وقطعي المصالح، وهو ما نقول بامتناعه.
أما التعارض بين مصلحة حقيقية معتبرة وبين نص محتمل للتأويل، فهذا قد وقع ويقع، وهنا يجب تأويل النص ليتفق مع المصلحة المعتبرة شرعًا.
وهذا ما صنعه سيدنا عمر بن الخطاب ومن وافقه من الصحابة في قضية قسمة الأرض المفتوحة على الغانمين، وتوقفه في ذلك وانتهى إلى تخصيص {مِمَّا غَنِمْتُمْ} في الآية بالمنقولات ونحوها، مما يغنم ويحاز حقيقة، وقد سبق مناقشة ذلك.
وهو ما صنعه سيدنا عثمان حيث رأى التقاط ضوال الإبل، وحفظها في بيت المال، حتى لا تضيع على أصحابها، ولم تكن تلتقط على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو ما صنعه بعض فقهاء التابعين في حديث امتناعه - صلى الله عليه وسلم - عن التسعير حيث شكا إليه أصحابه الغلاء وقوله: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ» إذ حملوا ذلك على حالة الغلاء الطبيعي، وليس الغلاء الناتج عن احتكار التجار، والعمل على إغلاء الأسعار.
وكذلك التعارض بين نص قطعي ومصلحة موهومة لا يدخل فيما نحن فيه، والواقع أن هذا هو ما يموه به مموهو اليوم من زعم أن هناك مصالح يعارضها الشرع.
فمن نظر إلى هذه المصالح المدّعاة بموضوعية وإنصاف، لم يجدها مصالح حقيقية على الإطلاق.
فلا توجد مصلحة حقيقية في «إيقاف حدود الله» التي أوجبتها النصوص القطعية.