قال (١) يحيى بن معاذ رحمه الله، لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب (٢) من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حَزَنًا.
• وقال بعض الحكماء:
الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى تُرْجُمَان، وبحب الدنيا صُمّتْ أسماعُ القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق؛ لو شعر الخلائق؟!.
وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فَيُمْسِكُه ويتقرَّبُ إِلى الله كما كان كثيرٌ من الصحابة وغيرهم.
• قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما خازِنَيْن من خُزَّان الله في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت مُعَامَلَتُهُمَا لله بقلوبهما.
• ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه.
وهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارًا وطوَاعيةً.
ومنهم من يخرجه ونفسه تأبَى إِخراجَه، ولكن يجاهدها على ذلك.
وقد اختلف في أيهما أفضل؟ فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل؛ لتحقُّق نفسه بمقام السخاء والزهد.
• وقال ابن عطاء: الثاني أفضل، لأن له عملًا ومجاهدةً.
• وفي كلام الإمام أحمد رضي الله عنه ما يدل عليه أيضًا.
ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهدٌ في تحصيله إما مع قدرته، أو بدونها.
والأول أفضل من هذا.
ولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بنَ عبد العزيز كان أزهدَ مِنْ أُوَيْسٍ ونحوه.
كذا قال أبو سليمان وغيره (٣) .
• وكان مالك بن دينار يقول: "النَّاسُ يقولون: مالك زاهد!؟ إنما الزاهد عُمَرُ بنُ