ومثال آخر: ما رواه أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها) ، قال أبو القاسم بن عبد الرحمن الأنباري: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال: (هو صحيح) وطار بها أحمد الغماري وزعم أن الحديث صحيح.
وألف فيه جزءًا في تصحيحه أفسد فيه الحبر والورق والوقت. مع أن أبا الصلت الهروي ضعيف جدًا كذاب متهم عند جمهور المحدثين، وأيضًا: الحديث حكم بوضعه جماعة منهم ابن معين، ولذا تعقب الخطيب هذا القول بالتصحيح في (تاريخ بغداد) (11/ 49) بقوله: (أراد لهذا أنه صحيح من حديث أبي معاوية، وليس بباطل، وإذ قد رواه غير واحد عنه) .
فهو بهذا أطلق هذا الوصف بمعنى أنه محفوظ من وجه كذا، لا أن المتن صحيح، ولذا فقد روى ابن أبي حاتم في (الجرح التعديل) (13/ 99) بسند صحيح عن ابن معين أنه قال: (حديث ليس له أصل) .
وقال-كما في (سؤالات ابن الجنيد له) (ص:285) : (هذا حديث كذب ليس له أصل) فوَصْف التصحيح في الحديثين أريد به شيء آخر غير الاصطلاح. فتأمله [1] .
كما أنهم يطلقون وصف التوثيق ولا يريدون به الاحتجاج. فبعض المحدثين قد يطلقون الحكم بتوثيق راوٍ، ولا يريدون بذلك أنه حجة عندهم، وإنما يريدون بذلك الممايزة بينه وبين راوٍ آخر أشد ضعفًا منه [2] .
فإن المعدّل: (قد يقول:(فلان ثقة) ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: (فلان لا بأس به) ، ويريد أنه يحتج بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يسأل عن الرجل الفاضل في دينه
(1) -انظر الكتاب الذي درَّستُ لكِ: (تيسير علوم الحديث) (154 - وما بعدها) . لعمرو عبد المنعم.
(2) -كأن يكون التوثيق أو: التضعيف نسبيًا لا مطلقًا. (ضوابط الجرح والتعديل) (ص:46) .