التنبيه الثامن ذكرت فيه فوائد من كتابي: (قناص الشوارد الغالية) (ص:855\ 869\رقم:190\ 199) :
شيخنا الفاضل قول العلماء: (غيره أوثق منه) ، و (فلان أوثق منه) . هل هناك فرق بين هاتين العبارتين أم لا؟ أفيدونا-كثر الله فوائدكم-وفك أسركم؟
الجواب: لعلِّي-أم الفضل-قد ذكرت لكِ الفرق في موضع آخر-والله أعلم-لكن لا بأس أن أعيد لكِ الجواب هنا-من باب: كل ما تكرر الشيء تقرَّب-اعلمي أم الفضل: (صيغة هذه العبارة-وأشباهها-تأتي على وجهين:
الوجه الأول: يقولون في الراوي: (غيره أوثق منه) .
والوجه الثاني: يقولون فيه: (فلان أوثق منه) ، أو: (إنه ليس مثل فلان) ، أو: (فلان أحب إلي منه) .
فهذه العبارة التي في الوجه الثاني، لا يقولونها لجرح الراوي، وإنما يقولونها في المفاضلة بينه وبين أشباهه، لبيان موقع مستواه من الحفظ والضبط ونحوهما، فالمفضل عليه فيها واحد معيَّن، وهو الذي يسمى في تلك العبارة، ومن أمثلتها الكثيرة ما جاء في (تعجيل المنفعة) للحافظ ابن حجر (ص:75) ، في ترجمة (جُهير بن يزيد العَبدي البصري) .
"ليَّنه القطان بقوله: حوشب بن عقيل أثبت منه. قلت-القائل ابن حجر-متعقبًا الحسينيَّ مؤلف أصل كتاب تعجيل المنفعة: وهذه الصيغة ليست صريحة في التليين، بل: احتمالها قُوَّتَه أقوى، ووثقه أحمد وابن معين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به".
وقد عقد اللكنوي لهذه العبارة فصلًا في: (الإيقاظ-17 - في مدلول قولهم في الراوي: ليس مثل فلان) قائلًا: (كثيرًا ما يقول أئمة الجرح والتعديل في حق راوٍ: إنه ليس مثل فلان، كقول أحمد في(عبد الله بن عمر العُمَري) : إنه ليس مثل أخيه-أي: عبيد الله بن عمر العمري-أو: إن غيره أحب إليَّ [1] ، ونحوَ ذلك. وهذا كله ليس بجرح.
(1) -قال شيخنا أبو غدة في حاشية: (الرفع والتكميل ... ) (ص 261) : (يريد المؤلف بقوله:"غيره أحب إلي"راويًا معينًا مسمَّى، فتكون المفاضلة بين راويين، كما هي الشواهد-فيما سيذكره-، وإلا لو أراد بلفظ:(غير) مبهمًا غير معين، كان ذلك جرحًا للراوي، كما تقدم ذكره في المرتبة السادسة من مراتب ألفاظ الجرح، في"ص:180/ 182").