بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكرم علماء هذه الأمة بالدرجات العلى، وأنزلهم منازل الوراثة النبوية في الآخرة والأولى، وجعلهم عدولًا في الدين، لحمل شرعه مؤهَّلين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، في كل وقت وحين، كما أثر عن النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وخصَّ هذه الأمة بمنقبة الإسناد، ومَيَّزها به بين العباد، فانفردوا في الدنيا باتصال النقل مسندًا إلى مصدره اتصالًا وثيقًا، بأحكام وقواعد أحكمها جهابذتُهم إحكامًا دقيقًا، فكان لهم أن يفخروا بهذه المزية العظمى بين العالمين ما شاء لهم الفخار، كما شهد لهم بذلك الموافق والمخالف من الأبرار والفجَّار.
فالحمد لله لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونصلي ونسلم على نبينا المصطفى، ورسولنا المجتبى، القائل: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ، فكان حديثه الشريف هو الحكمة المقرونة بالكتاب فلا يجوز لنا أن ندعه، وعلى آله الأبرار، معادن الصدق والأسرار، وأصحابه الأخيار، حماة الشريعة ورواة الآثار.
وبعد: فلما كان الشأنُ في الحديث ووسيلة وصوله إلينا ما أشرنا إليه، كان حرصُ المسلمين سلفًا وخلَفًا على التلقي والرواية: وسائلها وأنواعها بالغًا أقصى الغايات، ونهاية النهايات، فكان على الإسناد في القرون الخمسة الأولى الاعتمادُ والمدار، لإتمام مهمة التدوين والجمع المستقصى في تلك الأعصار، ثم استمر الاشتغالُ به والعناية، لبقاء سلسلته متصلة الحلقات إلى النهاية، واستجلابًا لبركة الاتصال بالسلف الصالح، حتى يتزكى بيُمْنِ التشبُّه بهم الخلف الفالح، ولله در القائل:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم # إن التشبُّه بالكرام رباحُ
وكان كاتبه-أصلح الله حاله، وبلَّغه في الدارين آماله-ممن أنعم الله عليه بالانحياش إلى أولئك الكرام، والاندراج في سلكهم موصولًا دون انصرام، مُجازًا من شيخه إمام العصر، ونادرة الدهر، الحافظ الكبير الشيخ أبي الفيض أحمد بن