قال شيخنا أبو الفضل: طلبت من فضيلة شيخنا العلامة أبي أويس أن يكتب مقدمة ممزوجة بقصيدة-من قصائده العصماء-يعارض بها (بردة) البوصيري (وهمزيته) ، فأجاب مشكورًا قائلًا-بعد السلام عليَّ-:
(الحمد لله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
هذه الرسالة ... صيحةُ نذيرٍ عُريان، ونصحٌ خالصٌ عام، لكل شحيح بعقيدته ودينه، ساعٍ راغبٍ في تحصين إيمانه ويقينه، مُتَحَلٍّ بالإنصاف، مُجانبٍ للتَّعَصُّب والإعتساف، مؤْثِرٍ للحق على الخَلِق، لم يَجعل دينَه عُرْضةً للخصومات، وهَدَفًا للأهواء والرُّعُونات: أن يحتاطَ لنفسه، والفوز بالنجاة عند حُلول رَمْسه، بتنقية عقيدته-وهي رأسُ ماله-من شوائب الإشراك، وتصفيتِها من أدران الغُلو المَقيت، ودَخَنِ الإبتداع المُمِيت، في كل ما يأتي ويذَر من أقوال وأفعال، تتعلق بالإيمان والعبادات في جميع الأحوال، ضمانًا للسلامة والفلاح، وحرصًا على حصول الظَّفَر والنجاح، وقد ابتُلي الناس-إلا من رحم الله-بداء الإهمال والجهالة واللاَّمُبالاَة، فتورطوا بسبب ذلك في الوقوع في قواصمَ، بدون عواصم، وبدَع موبقات، طوَّحت بهم في أودية الهَلَكَات، يَحْسِبونها هينةً وهي عند الله من أعظم البليات، توارثها الأبناءُ عن الآباء، فأصبحت من آكَدِ العادات، وأهَمّ المهمات، وزاد الطينَ بَلَّة: سكوتُ أهل العلم عن الإنكار، وموافقةُ كثير منهم على تسويغ هذه الأخطار.
ومنها: ما يُسمّى بالأمداح النبوية، قد خَالَطَها عندنا غلوٌّ قبيح شَانَ رَوْنَقَها وبَهْجَتَها، وشوَّه بالضلال محاسنَها، فلا تكاد تسمع منها إلا ما يَصُكُّ المَسَامع، ويُسيلُ المدامع، من إشارات إلى وحدة الوجود [1] ، واتحاد العابد بالمعبود، إلى نَعيق منكَر بالحلول، وإطراء مستَهْجَنٍ مملول، خصوصًا في (همزية) البُوصيري و (بُردته) فقد استأثرتا بإعجاب القَوّالين والمُنشدين، فجعلوهما (هجّيرَاهُم) في كل وقت وحين، غافلين عما انطوتا عليه من مخالفات تمس العقيدةَ في الصميم،
(1) -انظر الكلام بتوسع على وحدة الوجود في كتاب شيخنا بوخبزة [نقل النديم] [ص 8/ 18/22/ 32/60/ 64/66/ 69/70/ 74/75/ 76/77/ 84/85/ 86/90/ 94/95/ 96/120/ 121/138/ 146/155/ 158/187/ 201/202/ 230/247/ 251/253/ 254/260/ 282/283] .