قال السخاوي في (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) : لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد، وقال في (الإعلان بالتوبيخ) [1] : (وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو: بأدنى تصريح لا تجوز الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقي فيها إلى زائد على ما يُحصّل الغرض.
وقد رَوَيْنا عن المزني قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم أكْسُ ألفاظك، أحْسِنها، لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء [2] .
هذا سؤال رفعته إليَّ أم الفضل فأجبتها آنذاك-كما في كتابي: (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص: 246\ 251\رقم:69) -قائلًا: (نعم هناك فرق كبير بينهم فمجهول العين: هو من لم يرو عنه إلا راوٍ واحد.
وفيه أقوال:
1 -الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث-رحمهم الله تعالى، ونفعنا بعلومهم-وغيرهم أنه لا يقبل.
2 -أنه يقبل مطلقًا، وهو قول من لم يشترط في الراوي غير الإسلام.
3 -أنه إن كان المنفرد عنه لا يروي إلا عن عدل قُبل، مثل ابن مهدي-رحمه الله تعالى-، ويحيى بن سعيد القطان-رحمه الله تعالى-، ومالك بن أنس-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه وورعه-ذكر معهم وإلا لم يقبل.
4 -إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد [3] والنجدة قُبل، وإلا فلا.
(1) -كما في: (ص:68/ 69) .
(2) -يعني: كذابًا. انظر: (السير) (9/ 6) ، و (هدي الساري) (ص:419) ، و (الرفع والتكميل) (ص:99) .
(3) -فائدة في ذكر من تُرك حديثُه من أهل العبادة والصلاح لاشتغالهم بالعبادة وإهمالهم أحاديثهم. قال شيخنا المحدث محمد الأثيوبي في (ألفية علل الحديث-المسماة: شافية الغلل بمهمات علم العلل) (ص:51\ 52\رقم:435\إلى:446) المسألة الحادية عشرة:
ثم الذين اشتغلوا بالطاعةِ * ولا يُبالون لدى الروايةِ
ثلاثةٌ فمنهُمُ مَن أَهْمَلاَ * لحفظه فذا يكون مُهمَلاَ
لكثرةِ الوَهْم برفع ما وُقِفْ * ووصْلِ مُرْسَلٍ فبئسما وُصِفْ
مثلُ أَبانَ بْنِ أبي عياشِ * كذا يزِيدُ أقْصِدُ الرَّقَاشي
كذاك عبَّادٌ وَهَى وجعفرُ * والحسن الجُفْرِيُّ أيضًا يُذكَرُ
وابن مُحَرَّرٍ كذا رِشْدِينُ * كذا أبو مُقاتلٍ يَمِينُ
قوله:"أبان بن أبي عياش": هو فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي متروك (في حدود 140 هـ) . و"يزيد": هو ابن الرقاشي، أبو عمرو البصري القاصّ الزاهد ضعيف، وقيل: متروك قبل (120 هـ) . و"عباد": هو ابن كثير الثقفي البصري، كان رجلًا صالحًا، قال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه غير واحد ..
وقوله:"وهَى"من باب وقى يقي، بمعنى: ضعف. و"جعفر": هو ابن الزبير الشامي، كذبه شعبة، وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه. و"الحسن الجفري": هو الحسن بن أبي جعفر البصري، ضعيف الحديث مع عبادته وفضله (167 هـ) . و (الجُفْري) : هو-بضم الجيم وسكون الفاء-نسبة إلى جفرة خالد ناحية بالبصرة. كما في"اللباب". و"ابن محرر": هو عبد الله بن محرر الجزري القاضي، متروك.
و"رشدين": هو ابن سعد بن مفلح المهري أبو الحجاج المصري، ضعيف، كان صالحًا في دينه فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث (188 هـ) وله (78 سنة) . و"أبو مقاتل": هو حفص بن سلم الفزاري النيسابوري صاحب تقشف وعبادة، قال ابن مهدي: لا تحل الرواية عنه، وكان يكذبه، وضعفه غيره (208 هـ) .و"يَمينُ"أي: يكذب، من مان يمين مَيْنًا: إذا كذب، وفي نسخة:"يلين"أي: يضعف.
ثم قال شيخنا المحدث الأثيوبي:
وغير هؤلا من العَبَدَةِ * قد ضَيَّعوا الأخبار بالعبادةِ
ومنهمُ من كان قد تعبَّدَا * بالوضع قد ضلَّ وباء بالرَّدَى
كأحمدَ بن غالبٍ ذي الوضعِ * وزكريَّا نجلِ يحيى البِدْعِي
قوله: (كأحمد بن غالب) : هو أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، غلام خليل، معروف بالوضع. وقد قلت عنه في كتابي: (القول الحصيف ... ) (ص:25) : غلام خليل-أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، وقد كان زاهدًا متخليًا عن الدنيا وشهوتها، منقطعًا إلى العبادة والتقوى محبوبًا من العامة، حتى إن بغداد أغلقت أسواقها يوم وفاته حزنًا عليه! ومع ذلك فقد زيّن له الشيطان وضع أحاديث في فضائل الأذكار والأوراد، حتى قيل له: ما هذه الأحاديث التي تحدث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة-انظر: (تاريخ بغداد) (5/ 79) ، و (الموضوعات) لابن الجوزي (1/ 40) ، و (لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث) (ص:121) -.
وقال الخطيب البغدادي في ترجمة غلام خليل: (قال أبو داود السجستاني: أخشى أن يكون غلام خليل دجَّالَ بغداد. ثم قال: قد عرض عليَّ من حديثه، فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلها!!) - انظر: (تاريخ بغداد) (5/ 79/80) - و"زكرياء": هو ابن يحيى، أبو يحيى الوقار المصري، يضع الحديث. وقوله:"البدعي": أي: المنسوب إلى البدعة، حيث ابتدع التعبد بوضع الحديث.
ثم قال:
ومنهمُ من ظنه قد أحسنا * بكل من حدثه فافتتنا
بحمله الحديث عن كل أحدْ * ثقةً أو: كتن بوضعه مرَد
فكلهمْ في الحكم قل سواءُ * فاحذرهُمُ فإنهمْ غُثاءُ