فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 1246

البخاري-رحمه الله-؟ ولو كان عنده صحيحًا، لأخرجه في مصنفه"الصحيح"عنده، ولم يفعل؛ لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد، وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده).

فهذا القدر من كلامه يدل على أن الحديث-عنده-من جهة الإسناد لا يصح؛ لكنه قال عقب ذلك:

(وهو-عندي-"صحيح"؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف في بعض معانيه) .

وهذا يدل على أن لفظ:"الصحيح"قد يطلقونه على جهة المعنى لا الرواية. ولذا قال الحافظ ابن حجر:

(ردَّه(ابن عبد البر) من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى).

وسأل الترمذي البخاري-أيضًا-، عن حديث عبد الله بن نافع، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة.

قال البخاري: (ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول) .

ولا يمكن أن البخاري يريد صحة هذا الحديث من جهة إسناده؛ فإن كثير بن عبد الله هذا ضعيف جدًا، واتهمه بعضهم.

والظاهر أنه أراد صحة المعنى؛ لأن فعل أكثر الصحابة يؤيده، ولعل قوله: (وبه أقول) يؤكد ذلك [1] . والله أعلم.

قال علي بن المديني (إذا اجتمع يحيى [2] بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أُحَدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يد يحيى تشدد.

(1) -انظر: (العلل الكبير) (ص:93) ، و (التلخيص الحبير) (1/ 22) ، و (المستدرك) (1/ 395) ، و (لغة المحدث) (48/ وما بعدها) .

قال المحبوس: وقد سألت شيخنا المحدث محمد الأثيوبي بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عن قول البخاري: (ليس في الباب شيء أصح من هذا) هل أراد البخاري صحة الحديث من جهة الإسناد أم من جهة المعنى، فقال: أراد صحة المعنى، ثم قال: وأنا لا يعجبني هذا الاصطلاح.

(2) -الحافظ أبو سعيد، يحيى بن سعيد بن فروخ البصري القطان الأحول، أحد أئمة الجرح والتعديل. (ولد سنة 120، وتوفي سنة 198) . بل: قيل عنه: أحد المتشددين المتعنتين في الجرح، وهو أشد تعنتًا من عبد الرحمن بن مهدي.

قال الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) (2/ 147) في ترجمة: (عثمان بن فارس) : (نقل البخاري عن علي بن المديني أن يحيى ابن سعيد احتج به، ويحيى بن سعيد شديد التعنت في الرجال، لا سيما من كان من أقرانه) .

وعثمان بن فارس-رحمه الله-هذا من أقرانه، وبلديّه أيضًا، أصله بخاري، وأقام بالبصرة، وتوفي سنة 209.

وقال الحافظ في (الفتح) (11/ 441 - التوجيه:17/ 235) : (الحسن بن ذكوان أبو سلمة ... ليس له في البخاري سوى حديث واحد من رواية يحيى القطان عنه مع تعنته في الرجال) .

قال اللكنوي في (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:260/ 261) : (ذُكر في(الميزان) ، و (تهذيب التهذيب) ، وغيرهما من كتب أسماء الرجال، في حق كثير من الرواة: (تركه يحيى القطان) فاعْرِفْ أن مجرد تركه لا يخرج الراوي من حَيّز الاحتجاج به مطلقًا.

والذي يدل عليه قول الترمذي في كتاب (العلل) من آخر كتابه (الجامع) (4/ 390 - بشرح"تحفة الأحوذي"، و"عارضة الأحوذي"13/ 315 - بشرح ابن العربي) : قال علي بن المديني: لم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صُبيح، ولا عن المبارك بن فضالة.

قال أبو عيسى-أي: الترمذي-: وإن كان يحيى ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم لأنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرةً هكذا، ومرة هكذا، ولا يثبت على رواية واحدة تركه).

وقال أيضًا في (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:307) : ( ... فأما إذا وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان مثلًا، فلا يترك، لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد) . انظر: (زهر الربى) للسيوطي (1/ 4) ، و (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) (ص:168) للسخاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت