ولم أزل كثير القلق والتشوق إلى معرفة ذلك حتى طالعتُ (شرح البرهان) للمازري، فوجدته ذكر هذه القاعدة وحققها، وميز بين الأمرين من حيث هما، فقال-رحمه الله-:
الشهادة والرواية خبران، غير أن المخبر عنه إن كان أمرًا عامًا لا يختص بمعين؛ فهو الرواية كقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات-متفق عليه) ، و (الشفعة فيما لا يقسم) لا يختص بشخص معين، بل: ذلك على جميع الخلق، في جميع الأعصار، والأمصار بخلاف قول العدل عند الحاكم: (لهذا عندنا هذا دينار) إلزام لمعين، لا يتعداه إلى غيره؛ فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة، ثم تجتمع الشوائب [1] بعد ذلك ... ).
قال الصنعاني: ( ... مع أنهم قد صرحوا أنه لا يلزم في الرواية ما يلزم في الشهادة لأن باب الشهادة أضيق،"ولإلحاق الأخف على الأغلظ") [2] .
من قيل فيه: صدوق يَهِمُ، أو: صدوق ربما وَهِمَ، أو: صَدُوق يخطئ [3] قليلًا، يحسنون حديثه، فكيف نجعل كل أحاديثه حسنة وقد وهِمَ أو: أخطأ في بعضها، ولِمَ لا يعامَلُ مثل المختلط الذي لم يتبين ضبطهُ؟
وإذا قلت: إذا رددنا كل حديث الصدوق الذي يهم، أو: يخطئ قليلًا يعتبر ظلمًا لحديثه: أَوَ ليس رد حديث المختلط الذي لم يتبين ضبطه أو: اختلاطه يعتبر ظلمًا لحديثه؟ فما رأيكم شيخنا الفاضل.
(1) -أي: يقع بينهما تداخل بعد ذلك.
(2) -انظر: (تدريب الراوي) (1/ 332) ، و (توضيح الأفكار) (2/ 114) ، و (الرسالة) للشافعي (فقرة-1003/و 1088) ، و (الفروق) (1/ 4/5) ، و (ثمرات النظر) (ص:94/ 95) .
(3) -قال المحدث الألباني رحمه الله تعالى-في: (قوله فيه:"صدوق يخطئ"ليس نصًا في تضعيفه للراوي به، فإننا نعرف بالممارسة والتتبع أنه كثيرًا ما يحسِّن حديث من قال فيه مثل هذه الكلمة) .