فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 1246

فائدة: معرفة علل الحديث وأنواعها:

قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: (إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرًا يَسيرًا من كثير ممن يدعي علم الحديث، فأما شأن الناس ممن يدعي كثرة كتابة الحديث أو: متفقه في علم الشافعي وأبي حنيفة أو: متبع لكلام الحارث المحاسبي والجُنيد وذي النون وأهل الخواطر. فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذهُ عن أهله وأهل المعرفة. فحينئذ يتكلم بمعرفته) [1] .

وقال عبد الرحمن بن مهدي-رحمه الله تعالى-: (معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث من أين قلت هذا لم يكن له حجة) [2] .

ولا يفهم من قوله: (لم يكن له حجة) : أنه يعلل بلا حجة ولا برهان، ولكن مقصوده أنه حصلت له ملكة قوية راسخة في هذا الفن حتى إنه بمجرد النظر في إسناد الحديث ومتنه تظهر له علة الحديث. والشأن في ذلك كما قال الربيع بن خثيم: (إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره) [3] .

قال ابن الجوزي-رحمه الله تعالى-: (الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم-قال أبو الفضل: إن كان قلبه خاليًا من الهوى-وينفر منه قلبه في الغالب، قال البُلقيني: وشاهد ذلك أن إنسانًا لو خدم إنسانًا آخر سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى أنه كان يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه) .

وللعلامة ابن القيم في أول (المنار) أو: (نقد المنقول، والمِحك المميز بين المردود والمقبول) ، جواب قيم كاسمه عن قول السائل: (هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظر في سنده؟) .

فقال: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بدمه ولحمه، وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول لله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهديه، فيما يأمر به، وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة.

بحيث كأنه مخالط للرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كواحد من أصحابه لكرام، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهديه، وكلامه، وأقواله وأفعاله، وما يجوز أن يخبر عنه وما لا يجوز، ما لا يعرف غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه.

فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله، من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، وما لا يصح، (ما) ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون (من) أقوالهم ونصوصهم، ومذاهبهم، وأساليبهم ومشاربهم، ما لا يعرفه غيرهم والله أعلم) [4] .

قال شيخنا المحدث محمد الأثيوبي في (ألفية الحديث-المسماة: شافية الغُلل بمهمات علم العلل) في القاعدة السابعة: (في ذكر خبرة حفاظ الأخبار ونقاد الآثار) :

ثم اعلمنْ بأن أهل الخبر * أعني الوُعاة أُمراءَ الأثر [5]

(1) -كما في: (شرح علل الترمذي) (ص:61/ 62) . للحافظ ابن رجب.

(2) -ذكره الحاكم في: (معرفة علوم الحديث) (ص:112) .

(3) -كما في: (تنزيه الشريعة) (1/ 7) .

(4) -انظر: (مقدمة الجرح والتعديل) (ص:349/ 351) ، و (تحرير التقريب) (1/ 21/22) ، و (الفتح الرباني) (4/ 1617/ وما بعدها) للشوكاني، و (مقدمة بيان الفجر الصادق) (ص:19/ 22) ، و (علوم الحديث أصيلها ومعاصرها) (ص:275/ 276) .

(5) -قول الناطم: (الوُعاة) جمع واع، وهو الحافظ. وقوله: (أمراء الأثر) الإضافة بمعنى"في"، كما في قوله تعالى: (ألد الخِصام) (البقرة:204) . أي: الذين كان كل منهم يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب يَختص بالذين لهم خبرة في الحديث وعلله. انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل) (ص:122) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت