لكثرة المِراسِ [1] للأخبار * وضبطِهم مراتبَ الأحبارِ
ومَيْزِهم أخبارَ كلِّ حَبْرِ * قد رُزِقوا فهمًا عجيبَ السَّبْرِ
فيفهمون أن هذا الخبرا * يُشبهُ ما به فلانٌ أخبرا
لا ما به لنا فلانٌ أخبرا * إعلالهم بذا أحاديث جرى
أحمد قال في سِنانٍ [2] خبرُهْ * يُشبه ما الحَسَنُ حقًا يأْثُرُهْ
كذا شعيبُ بْنُ أبي حمزة قد * رَوى أحاديثَ بإنكارٍ تُرَدْ
عن وَلدِ المنكدِرِ الإمامِ * عن جابرٍ فاقبَلْ بفهمٍ سامِ
لكنَّ بعضَها البخاريْ أخرجَهْ * فلا تُبالِ مَن به قد أخرجَهْ
كذاك عن أبي الزبير مَعْقِلُ [3] * يُشبه ما لابن لهيعة اعقِلوا
كذاك في أخبارِ غيرِ مَن ذُكِرْ * قد حكموا بمثل هذا فاستنِرْ
وهكذا كان لهم تمييز ما * كان كلامًا للنبيِّ يُنتمى
مما لغيره غدا يَنتسبُ * فاعجَبْ لأقوامٍ لهم مواهبُ [4]
ومن طريف ما جاء في ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: (جاءني رجلٌ من جِلَّة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه عليَّ. فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث.
وقلتُ في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر. وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح.
فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا؟
فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب.
فقال: تدعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادعاء غيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما نحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف، ولم نقل إلا بفهم.
قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم.
(1) -"المراس"بالكسر مصدر مارس الشيء، إذا زاوله. انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل) (ص:122) .
(2) -"سنان": هو ابن سعد، ويقال: سعد بن سنان، الكندي المصري، وصوَّبَ البخاري الأول، صدوق له أفراد. انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل) (ص:122) .
(3) -"معقِل": هو ابن عبيد الله الجزري. انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل) (ص:123) .
(4) -انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل) (ص:122\ 123\رقم:1001\إلى:1013) ..