فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 1246

قال: هذا عجب. فأخذ، فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب. قلت: الكذب والباطل واحد.

وما قلت: إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت: إنه منكر قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح. فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما.

فقلت: ذلك أنا لم نجازف، وإنما قلنا بعلم ومعرفة قد أوتينا. والدليل على صحة ما نقوله، بأن دينارًا مبهرجًا يحمل إلى الناقد، فيقول: هذا دينار مبهرج، ويقول لدينار جيد: هو جيد.

فإن قيل له: من أين قلت إن هذا مبهرج؟ هل كنت حاضرًا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا.

(فإن) قيل له: فمن أين قلت: إن هذا مبهرج؟ قال: علمًا رزقتُ.

وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك. قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت.

فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا.

قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا. قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقتُ.

وكذلك نحن رزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب وهذا منكر إلا بما نعرفه) [1] .

وذكر الحاكم في (معرفة علوم الحديث) [2] ، بإسناده عن أبي زرعة وقال له رجل:(ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن واره-يعني محمد بن مسلم بن واره-وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميّز كلامنا على ذلك الحديث.

فإن وجدت بيننا خلافًا في علته فاعلم أن كلاًّ منّا تكلم على مراده. وإن وجدتَّ الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، قال ففعل الرجل. فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام).

فالإمام ابن مهدي يعرف العلة الخفية-كما يعرف الطبيب المجنون- [3] (وسئل بعضهم كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ قال إذا روى: لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها. علمت أنه كذاب) [4] .

وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي-رحمه الله تعالى-: (لأن أعرف علة حديث، هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين

(1) -انظر: (مقدمة الجرح والتعديل) . (ص:349/ 351) ، و (لغة المحدث منظومة في علم مصطلح الحديث) (ص: 134/ 135/136) ، و (تحرير التقريب) (1/ 21/22) ، و (الفتح الرباني) (4/ 1617) وما بعدها للشوكاني، و (مقدمة بيان الفجر الصادق) (ص:19/ إلى 22) .

(2) -كما في: (ص:112/ 113)

(3) -كما في: (تذكرة الحفاظ) للذهبي (1/ 331/ رقم:313 الطبقة السادسة) ، و (شرح علل الترمذي) لابن رجب (175) و (كتاب العلل ومعرفة الرجال) (1/ 36) . للإمام أحمد.

(4) -كما في: (تنزيه الشريعة) (1/ 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت