ولا تظنَّنَّ من قولهم: هذا حديث منكر أن راويه غير ثقة، فكثيرًا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد [1] وإن اصطلح المتأخرون على أن المنكر هو: الحديث الذي رواه ضعيف مخالفًا لثقة. وأما إذا خالف الثقة غيره من الثقات فهو شاذ.
(1) -قال أيضًا شيخنا أبو غدة في: (ص:200) : (قال ابن الصلاح في(معرفة أنواع علم الحديث) (ص:87) ، في (النوع الرابع عشر: معرفة المنكر) : (وإطلاق الحكم على التفرُّد: بالرد، أو: النكارة، أو: الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث) .
يعني المتقدمين:
1 -كالإمام أحمد،
2 -وأبي داود،
3 -والنسائي وغيرهم،
فيقولون: حديث مردود، أو: حديث منكر، أو: حديث شاذ لتفرد الراوي به وسيأتي في كلام المؤلف قريبًا نقل ذلك عن الإمام أحمد.
نعم هؤلاء وغيرهم من النقاد أطلقوا لفظ (المنكر) على مجرد التفرد، ولكن حيث لا يكون المنفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يَعْضُدُه، كما أفاده الحافظ ابن حجر، ونقله عنه الصنعاني في (توضيح الأفكار) (2/ 6) ، وقال: (وهو مما ينبغي التيقظ له) .
وقال السيوطي في رسالته (بلوغ المأمول في خدمة الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهي في كتابه(الحاوي للفتاوي) (2/ 210) : (وصف الذهبي في(الميزان) عدة أحاديث في (مسند أحمد) و (سنن أبي داود) وغيرهما من الكتب المعتمدة، بأنها منكرة، بل: وفي (الصحيحين) أيضًا، وما ذاك إلا لمعنىً يعرفه الحفاظ، وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية، ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث، فضلًا عن بطلانه).
وقال قبله في (ص:179) عند المرتبة الخامس من (مراتب الجرح) عند قول اللَّكْنوي: (الخامس: ما دونها وهي: فلان لا يحتج به، أو: ضعَّفُوه، أو: مضطرب الحديث، أو: له ما يُنكر، أو: له مناكير، أو: منكر الحديث) : (عدُّ السخاوي والسندي قولهم:(منكر الحديث) في المرتبة الخامسة هنا: جارٍ على مصطلح غير البخاري، ومثله عدُّ العراقي له في المرتبة الرابعة ... أما البخاري فقد قال: كل من قلت فيه (منكر الحديث) : فلا تحل الرواية عنه. كما في (شرح الألفية) للسخاوي (ص:162) ، وكما سينقله المصنف في (ص:208) .
فيكون موضعه على اصطلاح البخاري أنزل بمرتبة، أي: المرتبة الثالثة على تقسيم العراقي، وفي المرتبة الرابعة على تقسيم السخاوي والسندي.
والحكم واحد في التقسيمين، وهو أنه لا يحتج بمن وصف بذلك، ولا يستشهد به ولا يُعتبر به). وجعل ابن أبي حاتم مراتب ألفاظ التجريح على أربع مراتب.
وتبعه ابن الصلاح أيضًا في (مقدمته) (ص:135) حيث قالا: (المرتبة الرابعة: فلان ضعيف، منكر الحديث، أو: حديث منكر ... ) . كما في (الرفع والتكميل ... ) (ص:154) . قال الألباني في (الصحيحة) (2/ 28) : (فلا يخفى على طالب العلم أن قوله:(فيه مناكير) ليس بمعنى: منكر الحديث، فإن الأول معناه أنه يقع أحيانًا في حديثه مناكير، والآخر معناه أنه كثير المناكير، فهذا لا يحتج به، بخلاف الأول فهو حجة عند عدم المخالفة).
وقال أيضًا في (النصيحة) (ص:207) : (على أنه يمكن أن يكون مراده بالاستنكار مجرد التفرد، وليس التضعيف، وهذا استعمال معروف عند بعض المحدثين-كما في(مقدمة ابن الصلاح) وغيره).
وقال أيضًا في (الصحيحة) (2/ 28) : (قول الذهبي:(قلت: هذا من مناكير يحيى) : أي: من مفاريده كما تقدم قبله، فليس فيه تضعيف مطلق ليحيى).