فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 1246

(ليس من أهل القباب) [1] ، وأصل هذا الاستعمال هو التشبيه (بالجمال) ولقد شبه العرب بالجمل في صفات غير قليلة كقولهم: (رجل بازل على التشبيه بالبعير يعنون به كماله في عقله وتجربته) [2] .

ويقولون: (رجل جمالي ضخم الأعضاء تام الخلق كالجمل) [3] ، ولا زال كثير من العرب يستعملون هذا التشبيه بالجمل-فيصف أهل نجد وغيرهم الرجل الذي يتحمل الشدائد والمصاعب ويرجع إليه في معضلات الأمور وعويص المشكلات الصبور عند الفتن والمحن بأنه (جمل محامل) .

وهذا التشبيه استعمله الأئمة النقاد من المحدثين منذ القدم في تجريح الرواة وتعديلهم فإذا أرادوا توثيق راوٍ قالوا عنه: إنه من (جمال المحامل) ، وإذا أرادوا أن يضعفوه ويوهنوا أمره قالوا: (ليس من جمال المحامل) ...

الإمام مالك أول من استعمل هذا التشبيه في تجريح أحد الرواة:

إن أول من وجدناه استعمل هذا التشبيه الإمام مالك بن أنس (ت:197 هـ) حيث جرَّح به عطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص أبا صفوان المدني المولود عام (91 هـ) فقال عنه: ليس هو من (جِمال المحامل) [4] ونقل المزي عن مالك بن أنس [5] أنه قال عن عطاف-وقد بلغه أنه قد حدث:

(1) -قال الشيخ مصطفى بن إسماعيل في: (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) (1\ 157) في المرتبة الأولى من مراتب التجريح:(وقولهم:"ليس من جمال المحامل، أو: ليس من أهل المحامل، أو: ليس من أهل القباب، أو: ليس من إبل القباب".

وقد سبق بيان هذا من جهة اللغة في المرتبة الأولى من مراتب التعديل فارجع إليه، ووجه الجرح بهذا الألفاظ أن الراوي ليس ممن يعتمد على حديثه بمفرده وأنه ليس بالقوي المتين) .

وقال أيضًا في المرتبة الثانية: من مراتب التجريح: (وعند السخاوي:"... وليس من إبل القباب ... وليس من إبل المحامل، وليس من جمازات المحامل": واعلم أن ألفاظ هذه المرتبة تشابه ألفاظ المرتبة الأولى، ولذا تجد الحافظ السخاوي لم يذكر شيئًا في السابقة ... ) . انظر: (شفاء العليل) (1\ 159) .

(2) -انظر: (لسان العرب) (11/ 52) .

(3) -انظر: (تاج العروس) (7/ 263) .

(4) -انظر: (تاج العروس) (7/ 263) .

(5) -قال شيخنا المحدث محمد الأثيوبي في (ألفية علل الحديث ... ) (ص:125\ 126\رقم:1032\إلى:1045) تحت القاعدة الثانية عشرة: (فيما ذكره أهل الحديث من الضابط لمعرفة الثقات) :

وكلُّ مَن نَقَل عنه مالكُ * وثَّقه أحمدُ نِعمَ الناسكُ

والنَّسَئِيُّ مالكًا لم نعلمِ * روى عن المشهور ضعفًا فاعلمِ

عن غير عمروٍ وشريكٍ عاصمِ * ولا لمتروك وهى فلتعلمِ

أي: قال النسائي: (لا نعلم مالكًا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف، إلا عاصم بن عبيد الله، فإنه روى عنه حديثًا، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو) .

ثم قال شيخنا-حفظه الله-:

سوى أبي أمية وما نُمي * إلى البخاريِّ فلا تُسَلِّمِ

قال المحبوس عمر الحدوشي من أجل عقيدته: (أبو أمية هو: عبد الكريم بن أبي المخارق، المعلم أبو أمية البصري نزيل مكة: وهو ضعيف جدًا) . انظر ما علقه المحدث المعلمي في هامش: (الفوائد المجموعة) للشوكاني (ص:222) ، كما في"النكت الجياد ..." (ص:484\رقم:466) لإبراهيم الصبيحي. وقد ضعفه الحافظ ابن حجر في (التقريب) (2\ 378\رقم:4156 - مع التحرير) .

وقول شيخنا المحدث محمد الأثيوبي:

(وما نُمي .... * إلى البخاريِّ فلا تُسَلِّمِ)

فيه غموض، بل ينبغي أن يقول: (له في البخاري زيادة في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس، في الذكر عند القيام، قال سفيان:"زاد عبد الكريم"فذكر شيئًا، وهذا موصول، وعلَّم له المزي علامةَ التعليق، وله ذكر في(مقدمة مسلم) ، أفاده الحافظ ابن حجر في"تقريبه"... ).

ثم قال شيخنا-حفظه الله-:

من قوله لم نر مالكًا نَقَلْ * عن الذي يُترَك إلا ما حصَلَ

عن الخراسانيِّ أيْ عطاء * قد خالف الجُلَّ بقولٍ ناءِ

قوله: (بقول ناءِ) أي: بقول بعيد عن الصواب.

ثم قال شيخنا-حفظه الله-:

فوَثَّقوه معَ سوء الحِفظ أو: * كثرةِ إرسال فرجِّحْ ما رأوا

وما نُمي إلى سعيد أنه * كذَّبه فقد أبانوا مَيْنَهُ

قول شيخنا: (وما نُمي إلى سعيد) المراد به: سعيد بن المسيب، أي: ما نُسب إليه من تكذيب عطاء الخراساني، فقد أوضحوا مينه، أي: كونه كذبًا. ثم قال:

وابن المدينيِّ يقول كلَّ مَنْ * لم يَروِ عنه مالكٌ فوَهِّنَنْ

إن كان ساكن المدينة وذا * قولٌ على الإطلاق لنْ يُحَبَّذا

فما روى عن سعدٍ الزهري معْ * توثيقهم له بلا خُلفٍ وقعْ

قول شيخنا: (فما روى عن سعدٍ الزهري) : هو سعد بن إبراهيم المديني، ثقة حجة فاضل (125 هـ) . انظر: (التقريب) (2\ 14\رقم:2227) . ثم قال:

نظيرُه ما قال بعضٌ مَن سَكَتْ * ابنُ معين عنه إنه ثَبَتْ

قال أبو داود كلُّ مَن روى * عنه حَريزٌ ثقةٌ يا مَن حوى

قال أبو حاتم الثبْتُ كذا * في كلِّ مَن عنه ابن حرب أخذا

قول شيخنا: (بعض) فاعل،"قال"، و"من سكت"مبتدأ، خبره جملة"إنه ثبت"، و"ابن معين"فاعل"سكت"، أي: نظير ما تقدم من قول ابن المديني: ليس على إطلاقه، قول بعضهم، وهو: عبد الله بن أحمد الدورقي: كل من سكت عنه ابن معين فهو ثقة. و"حريز"-بصيغة المكبر، أوله حاء مهملة، وآخره زاي-هو ابن عثمان الرحبي الحمصي، ثقة ثبت رمي بالنصب (163 هـ) وله (83 سنة) . و"ابن حرب": هو سليمان بن حرب الأزدي الواشحي البصري القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ (224 هـ) . انتهى من (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغلل) (ص:125\ 126) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت