ومنه الحديث: (يزحفون على أستاههم) [1] ... قال العلامة المحقق المعلمي-رحمه الله تعالى-: يريد-أي: أبو حاتم-من
(1) -هذا الحديث ذكره ابن الأثير في (النهاية) (2/ 298) وعزاه للهروي، وأعتذر عن عدم تخريجه هنا لأنني لا أتوفر على كتب السنة الكافية داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان-قبح الله الشيوعيين الظالمين، والعلمانيين المائعين-الذين حبسونا-وكان في حبسنا فوائد كثيرة ذكرتها في كتابي:"ذاكرة سجين مكافح"-ظلمونا. إرضاءً لأسيادهم الصليبيين والصهاينة: أبناء القردة والخنازير. عليهم بهلة الله جميعًا.
على أن الإنسان لو جاز له أن يشكر معذبه من الشيوعيين والعلمانيين، لما جاز له أن يشكر محارب دين الله، وهؤلاء من هذا الصنف، والله لوقطعت وجزت الحناجر بالخناجر، وفقئت الآماق والعيون والمحاجر، وصارت أثرًابعد عين لما تنازلنا عن ديننا قيد أنملة، وما أحلى الموت في سبيل الله، خاطِرْ أخي بنفسك من أجل دينك ومبادئك لتحيا أنت ومبادؤك، نعم سوف تعيش مبادؤك وكلماتك إن ضحيت بحياتك من أجلها.
وقد قلت في كتابي: (إتحاف الطالب ... ) (ص:574\ 575) : (انتصار المنهج وظهوره يحتاج إلى تضحية في سبيله، ومن أراد البرهان على ما قلت فعليه بقصة أصحاب الأخدود ففيها:(آمنا برب الغلام) (أخرجها مسلم بطول رقم:3005) -وهذه العبارة قيلت بعد تضحية الغلام بنفسه فداءًا لدين الله تعالى.
وأحسن مثال في هذه العصر-سيد قطب البطل المجاهد-كان قتله واستشهاده انتصارًا لمنهجه الذي عاش من أجله-حتى وإن كنا لا نوافقه على كثير من اجتهاداته-رحمه الله تعالى-، ومات في سبيله، حتى قال أحد الشيوعيين وهو في سجنه:
(إنني أتمنى أن أُقتل كما قتل سيد وينتشر مبدئي وكتبي كما انتشرت كتب سيد قطب) . بل: وجدنا مطابع النصارى في لبنان تسارع إلى طباعة ونشر كتب سيد-رحمه الله-كالظلال، والمعالم، والخصائص، والتصور، لما تدره من أرباح هائلة، نظرًا لكثرة القراء والمستفيدين والمحبين. وكأن سيدًا كان يعلم هذا حين قال:
(إن كلماتنا وأقوالنا تظل جثثًا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء) . والذي عاش حياته (سيدًا) ، وغادر الدنيا (سيدًا) ، رافعًا رأسه، عاش في الدعوة (قطبًا) ، وغادرها (قطبًا) ، وقد طلب منه الجلادون وشيخ الأزهر أن يعتذر للطاغية عدو الناصر مقابل إطلاق سراحه، فقال كلمته المشهورة التي سجلت بماء الذهب ونقشت على قلوب أتباعه بالإبَر: (لن أعتذر عن العمل مع الله) .
وطلب منه مشايخ البلاط أن يكتب كلمة يسترحم بها عدو الناصر ويطلب منه العفو!!!
فقال: (إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يُقِر به حكم طاغية) . وقال أيضًا: (لماذا أسترحم؟ إن سُجنت بحق، فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فأنا أكبر أن أسترحم الباطل!) .
وقد سأله أحد الضباط في أيامه الأخيرة عن معنى كلمة: (شهيد) ، فأجابه قائلًا: (شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته) . ولما طلب منه شيخ الأزهر التلفظ بالشهادتين قبل شنقه تبسم وأردف قائلًا: أيهذا الرجل إنني أقتل من أجل الشهادتين، أما أنت فتأكل بهما الخبز!!.
ومن نماذج الشموخ والبطولة على الجاهلية حتى في أشد اللحظات ما قاله البطل (سيد قطب) الذي انقطع به حبل المشنقة لحظة إعدامه بالباطل، فقال: (كل جاهليتكم رديئة، حتى حبالكم رديئة) .
انظر: (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد) (ص:61/ 62/462/ 474/481) ، و (صناعة الحياة) (ص:60) ، و (علو الهمة) (ص:114/ 115) ، و (حقيقة الانتصار) (ص:18/ 19) للدكتور: ناصر العمري.
وقد طُلب منا نحن الشيوخ أن نوقع ورقة العفو ليطلقوا سراحنا فورًا فرفضنا عرضهم بشدة. فقلت لهم: العفو معناه: عدم المؤاخذة عن الذنب، وأنتم تقولون: بأن المخابرات الأمريكية زجّت بكم وبنا في هذا المستنقع الأليم ... وطلبت منهم أن يضيفوا صفرًا آخر إلى (30 سنة) -التي حكمنا بها إرضاءً لأسيادهم الصليبيين-فيكون المجموع: (300 سنة) ، أما أن أطلب العفو فهذا مما لا يخطر ببالكم ولا تفكروا فيه حتى في المنام، بل: أقسم بالله العلي العظيم إن عاصمًا ولدي الصغير وعمره (9 سنوات) قال لي: لا تطلب العفو يا أبي هم ظلموك وأنت تطلب منهم العفو، أرجوك يا أبي لا تطلب منهم العفو حتى ولو قضيت في السجن ثلاثين سنة كاملة، فحمدت الله أن أخرج من صلبي من يعينني على دين الله تعالى-حفظه الله وإخوانه-.
لا تخف يا ولدي فنحن دخلنا السجن أبطالًا وسنظل بإذن الله-حتى نلقاه-أبطالًا، فما رأيناه من هؤلاء يا ولدي لا يُنسى بمرور الزمان، ولا يمحى بمياه البحار، فقد ترك تعذيبهم وظلمهم لنا ندوبًا غائرة، ومُخَلَّفَات خطيرة أقبح من مخلفات (الحرب العالمية الأولى) ، فقد دخلوا في صفحة يبصق عنها التاريخ، أما المتوضؤون المظلومون حراس العقيدة فقد دخلوا التاريخ من أبوابه الواسعة، وفي صفحته المشرقة، أما الجلادون حراس الكراسي فقوتهم محدودة، ووحشيتهم مقهورة، وغطرستهم لها نهاية، ولكل ظالم نهاية مهما تجبَّر وظَلَم وطغا وعلا. (وعند الله تجتمع الخصوم) . نعم نطلب العفو من رب العالمين مالك الأعناق والأرزاق لا غير.
وهنا يَحْسُن بي أن أذكر قصيدة ركيكة في الموضوع-أطلب فيها العفو من ربنا جل جلاله-قلتها بالسجن المركزي بالقنيطرة بتاريخ: 5 شعبان سنة 1425 هـ وهذا لفظها:
يَوْمٌ كَعُرْقُوبِ الْقَطَا يَعْدُو بِنَا # والظُّلْمُ مِنَّا وَاقِعٌ يَا ذَا العُلاَ
في جُنْحِ ليْلٍ أَسْمِعِ الْبَارِي الدُّعَا # فَالْبَابُ مَفْتُوحٌ أَلاَ كُنْ سَائِلاَ
ضَيْفًا عَلَى مَنْ لاَ يَرُدُّ الْكَفَّ فِي # وَقْتٍ يُنَادِي فِيهِ يَا عَبْدِي بَلَى
وَاجْأَرْ إِلَى رَبِّ الْبَرَايَا خَاشِعًا # ربَّاهُ هَلْ أُدْرِكْ مَتَابًا هَلْ إِلَى
بَادِرْ ذُنُوبًا مُهْلِكَاتٍ يَا فَتَى # إِرْجِعْ بِلاَ تَسْوِيفِ إِقْلًاعٍ وَلاَ
لَيْلًا نَهَارًا يَبْسُطُ اللهُ يَدَهْ # يَدعُو المُسِيءَ المُخطئَ أَقْبِلْ هَلاَ
قَدْ نَالَ وَعْدَ الرَّبِّ في قُرْآنِنَا # مَنْ قَالَ لَبَّيْكَ الْبَارِي مُقْبِلاَ
مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَا سَعْدًا لَهُ # عُدْ يَا أَخِي قَبْلَ الرَّدَى أَنْ تَعْجَلاَ
لِلراجِعِ للحقِّ يَفْرَحْ ربُّنَا # يَسْعَى إلى ذِي تَوْبَةٍ قَدْ هَرْوَلاَ
فَاعْمَلْ بِلاَ تَحْقِيرِ فِعْلٍ وَاتَّعِظْ # إيَّاكَ ثَانِيًَا به أنْ تَجْهَلاَ
لَوْ وَاخَذَا أهلَ الْمَعَاصِي دائمَا # لَنْ يَتْرُكَنْ في الأرْضِ مِن هذا المَلاَ
يَا مَنْ يَرَى ذُلََّ ذُنُوبٍ قَد طَغَتْ # ذَنْبٌ أَذَلَّ المسْرِفِينَ أَعْضَلاَ
تُبْنَا إلَى رَبٍّ حَلِيمٍ مُنْعَمِ # فَاغْفِرْ إلَهِي مَا هُنَا قَدْ أَثْقَلاَ
يَا رَبِّ إِنِّي خَائِفٌ فَاشْدُدْ عَلَى # قَلْبٍ شَدِيدٍ ضَعْفُهُ واشْدُدْ عَلَى
أنتَ الرَّحِيمُ المُكْرِمُ حَقِّقْ لنَا # مَا نَبْتَغِي فِي دِينِنَا مِمَّا عَلاَ
عَبْدٌ ضَعِيفٌ غَرَّه الشيطانُ فِي # دُنْيَاهُ أضْحَى رَاغِبًا مُسْتَقْبِلاَ
حُزْنِي عَلى مَا قَدْ جَرَى فَتَّ الْكَبِدْ # وَالْقَلْبُ مِنْ آلامِهِ مُستَأْصلاَ
يَا رَبِّ إِنِّي مُذْنِبٌ فَاسْتُرْ ولاَ # تَفْضَحْ غَدًا هذا العُبَيْدَ المُبْتَلَى
يَا رَبِّ إِنِّي مُذْنِبٌ إنْ تَعْفُ عَنْ # جَانٍ سَعَى في كُلِّ جُرْمٍ عَامِلاَ
يَا رَبِّ إِنِّي مُشْفِقٌ مِنْ غُرْبَتِي # يَوْمَ الِلّقَاءِ القَادِمِ أَنْ أُسْأَلاَ
ربَّاه ذو الفضل الذي عم الورى# أنزِلْ أبا الفضل بخيرٍ منزلاَ