وقول ابن المبارك يدل على اتهامه لسلم بالكذب في الحديث، ويؤكد هذا تصريح ابن المبارك نفسه بتكذيبه لسلم. قال ابن حبان-رحمه الله تعالى-: كان ابن المبارك يكذبه ... [1] .
كذبوه مع كونهم وصفوه بالزاهد وفي مثله يقول ابن طاهر المقدسي-رحمه الله تعالى-: (سمعت أبا محمد السمرقندي الحافظ الحسن بن أحمد، سمعت أبا العباس المستغفري الحافظ، سمعت أبا عبد الله محمد ابن إسحاق بن منده الحافظ، يقول: إذا رأيت في إسناد: حدثنا فلان الزاهد فاغسل يديك من ذلك الإسناد) [2] .
وقال فضيلة شيخنا العلامة المحدث محمد ابن الشيخ علي بن آدم الأثيوبي الولوي في (ألفية علل الحديث-المسماة-: شافية الغلل بمهمات علم العلل) ، تحت القاعدة الأولى: (في حكم أحاديث الصالحين غير العلماء) :
الصالحون دون علم يَغلِب * وهْمٌ على حديثهم فيُعطِبُ [3]
قال ابن مندَهْ إن رأيتَ سندَا * حدّثَنا الزاهدُ فاغسِلِ اليدا
وما رأيت الصالحين أكْذَبا * منهمْ بالاخبار ليحيى نُسِبا [4]
وفسّروا ذا أنه يجري الكذبْ * على لسانهم بلا قصدٍ نُسِبْ [5]
(1) - انظر: (المجروحين من المحدثين) (1/ 344) ، و (تاريخ بغداد) (9/ 142) ، و (شرح ألفاظ التجريح النادرة أو: قليلة الاستعمال) (1\ 56\57) ، وعنه الدكتور عبد الرحمن بن إبراهيم الخميسي في كتابه: (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:9) .
(2) -قالت أم الفضل في مقدمة (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:11) : حاشا هؤلاء:
1 -سفيان الثوري،
2 -والفضيل بن عياض،
3 -وابنه،
4 -وحبيب العجمي زاهد البصرة في زمانه،
ومن على شاكلتهم من الصالحين والعباد. أفاده فضيلة شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي.
ثم ذكر قول الحافظ الذهبي في: (السير) (8/ 443) : (خرج علي بن الفضيل وأبوه من الضعف الغالب على الزهاد والصوفيه وعُدّا في الثقات) . انتهى من كتاب فضيلة شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي: (ذاكرة سجين مكافح) (1\ 66) .
(3) -"فيعطب"من الإعطاب، أي: يُفسد ذلك الوهم حديثهم. (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغلل) (ص:115) .
(4) - قولي:"بالاخبار"بنقل حركة الهمزة وحذفها. والباء بمعنى:"في"، و"يحيى": هو ابن سعيد القطان. انظر: (مزيل الخلل عن أبيات شافية الغلل) (ص:115) .
(5) - قال الإمام مالك-رحمه الله-: (أدركت بهذا البلد-المدينة النبوية-مشيخة أهل فضل وصلاح يحدثون ما سمعت من أحد منهم شيئًا قط. قيل: لِم؟ قال: كانوا لا يعرفون ما يحدثون) . وقال إسماعيل بن أبي أويس سمعت خالي مالكًا يقول: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو أئتمن على بيت مال لكان به أمينًا لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن فقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه) .
وقال شعبة بن الحجاج: (كان مالك أحد المميزين، ولقد سمعته يقول: ليس كل الناس يكتب عنهم، وإن كان لهم فضل في أنفسهم. إنما هي أخبار رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فلا تؤخذ إلا من أهلها) .
وقال ابن وهب: (سمعت مالكًا يقول: لقد أدركت بالمدينة أقوامًا لو استسقى بهم القطر لسقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئًا كثيرًا وما أخذت عن واحد منهم وذلك أنهم كانوا قد ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن-يعني: الحديث والفتيا-يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، وليس هو بحجة ولا يحمل عنهم العلم) .
وقال معن بن عيسى: (سمعت مالكًا يقول: كم أخ لي بالمدينة أرجو دعوته ولا أجيز شهادته) . انتهى من كتابي: (ذاكرة سجين مكافح) (4/ 55) .