وقال أهل اللغة: وفي حديث الشافعي: كان مجالد [1] يجلد-أي: يكذب-أي: كان يتهم ويرمى بالكذب.
فكأنه وضع الظن موضع التهمة [2] ... ولقد شارك يحيى بن سعيد الإمام الشافعي-رحمهما الله-
تعالى-في تكذيبه لمجالد بن سعيد، فقد روى عن عمر بن علي الفلاس أنه قال: سمعت يحيى بن سعيد
يقول لبعض أصحابه: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن أبيه عن مجالد [3] .
قال: تكتب كذبًا كثيرًا [4] لو شئت أن يجعلها لي في مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله
فعل [5] ... ومن ذلك يتضح لنا أن عبارة: (كان يجلد الحديث) [6] تعني: أنه كان يكذب في الحديث [7] .
(1) -هو: مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام الكوفي، المتوفى سنة: (144 هـ) جمهور المحدثين على تضعيفه، وعدم الاحتجاج بمفاريده، ومن بينهم يحيى بن سعيد القطان، وكان يضعفه، ويقول فيه: (في نفسي منه شيء) .
انظر بقية أقوال النقاد فيه: (الضعفاء) (ص:116) للبخاري، و (الجرح والتعديل) (8\ 361) ، و (الضعفاء الكبير) (4\ 232\234) ، و (الكامل) (6\ 420\423) ، و (تهذيب الكمال) (27\ 219\225) ، و (ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي) (2\ 640) .
(2) -انظر: (القاموس المحيط) (3/ 294) ، و (النهاية) (1/ 285) ، و (لسان العرب) (3/ 127) ، و (تاج العروس) (2/ 323) .
(3) -ذكر الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (6\ 256) في ترجمة: (جعفر الصادق) ، أن ابن المديني قال: سئل يحيى بن سعيد بن جعفر بن محمد فقال:"في نفسي منه شيء". فقلت: فمجالد؟ قال:"مجالد أحب إلي منه".
فتعقبه الحافظ الذهبي-رحمه الله-بقوله: (هذه من زلقات يحيى القطان بل: أجمع أئمة هذا الشأن على أن جعفرًا أوثق من مجالد، ولم يلتفتوا إلى قول يحيى) . انظر: (الكامل) (2\ 131) ، و (ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي) (2\ 639\640) .
(4) - قال عمرو بن علي الفلاس: سمعت يحيى، يقول لعبيد الله:"أين تذهب؟"قال:"أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة"، قال:"تكتب كذبًا كثيرًا"-كما في (الضعفاء الكبير) للعقيلي (4\ 25) - قال الحافظ الذهبي في"السير" (7\ 52) : (كان وهب يرويها عن أبيه، عن ابن إسحاق، وأشار يحيى القطان إلى ما في السير من الواهي من الشعر، ومن بعض الآثار المنقطعة المنكرة، فلو حُذف منها ذلك، لَحسُنت، وثمّ أحاديث جمة في الصحاح، والمسانيد مما يتعلق بالسيرة والمغازي، ينبغي أن تُضم إليها وتُرتّب، وقد فعل غالب هذا الإمام أبو بكر البيهقي في"دلائل النبوة"له) .
وهذا من الحافظ الذهبي تفسيرٌ لقول يحيى بن سعيد السّابق:"تكتب كذبًا كثيرًا"إذ ظاهره تكذيبٌ لشيخ وهب، الذي هو أبوه جرير بن حازم، أو: شيخ أبيه محمد بن إسحاق، ولما كانت حال الرّجلين على خلاف ذلك، اقتضى الأمرُ تفسير كلام يحيى بما يطابق مقتضى الحال، وهو ما أشار إليه الذهبي، من أنه عنى بالكذب في حديثه ما يرويه ابن اسحاق في مغازيه من الشعر الواهي الذي لا يعرف له أصل، وبعض الآثار المنكرة، ولا يلزم من رواية الكذب أن يكون الرَّاوي نفسه كذابًا، إذ في نسبة النّقل إلى ناقله ما يبرِّئ عهدة الناقل عنه، كحال ابن اسحاق في هذا. والله أعلم. انظر: (ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي) (2\ 867) ، و (طبقات فحول الشعراء) (1\ 7\8) .
(5) -انظر: (تهذيب التهذيب) (10/ 10) ، و (ميزان الاعتدال) (3/ 438) .
(6) -انظر: (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:168\ 169\رقم:487) .
(7) -انظر: (شرح ألفاظ التجريح النادرة أو: قليلة الاستعمال) (2\ 81\83) ، و (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:807\ 808\رقم:157) .