أهل الحديث عصابة الحق * فازوا بدعوة سيد الخلق
فوجوههم زُهْرٌ منضرة * لألاؤها كتألق البرق
يا ليتني معهم فيدركني * ما أدركوه بها من السبق
وهذا عَلَمُ الجرح والتعديل ابن معين يقول: (إني لأحدث بالحديث، فأسهر له مخافة أن أكون قد أخطأت فيه) [1] .
ولقد كتب ابن معين-رحمه الله تعالى-من الحديث وجمع من الأصول شيئًا كثيرًا، يقول أحمد بن عقبة: سألت يحيى بن معين-رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه-: كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا؟ قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث [2] .
قال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف، وستمائة ألف. ويقول محمد بن نصر الطبري: سمعت يحيى بن معين يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث-وهذا العدد يدخل فيه الآثار والموقوفات وفتاوى الصحابة ونحوها، لأن المرفوعات لا تبلغ هذا العدد: (مليون حديثًا) [3] .
(1) -كما في: (تاريخ بغداد) (14/ 184) ، و (الجامع: 100) ، و (تاريخ دمشق) (101) ، و (تهذيب الكمال) (760) . و (يحيى بن معين في تاريخه) (1/ 54/55) .
(2) -انظر: (شرح العلل) (2/ 489) لابن رجب. قال أبو زرعة الرازي: (كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث) . قال ابنه عبد الله: (وكتب أبي ألف-ألف-حديث، وترك لقوم لم يرو عنهم مائتي ألف حديث-شرح العلل لابن رجب 2/ 479) وقال الحاكم في: (المدخل) (كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث) .
وقال البخاري: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح) .
وروى الخطيب في (تاريخه) عن أبي العباس بن عقدة الحافظ قال: أحفظ بالأسانيد والمتون خمسين ومائتي ألف حديث، وأذاكر بالأسانيد وبعض المتون والمراسيل والمقاطيع بست مائة ألف حديث). وفي (الجامع لأخلاق الراوي وآدب السامع) (2/ 175) فصل لطيف ذكر فيه-الخطيب-بعض أخبار الموصوفين بالإكثار من حفظ الحديث. انتهى من كتابي: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 135) ، و (إمداد السقاة) (ص:7/ 9) .
(3) -قال شيخنا أبو غدة في كتابه القيم: (قيمة الزمن عند العلماء) (ص 35) : (يَعُدُّ المحدثون كل خبر أو: كلمة من كلام الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أو: كلام صحابي أو: التابعي، أو: التفسير للفظ غريب، أو: لفظ مبهم، أو: نحو ذلك، إذا رُوي بالسند: حديثًا. فهذا العدد على هذا المعنى) .
وقرر مثله فضيلة شيخنا العلامة محمد بو خبزة في كتابه النفيس: (جراب السائح ... ) . ولما ذكر القنوجي في (الحطة) (ص:244/ 255) أن: (الحافظ هو من حفظ مائة ألف حديث متنًا وسندًا، ثم الحجة وهو من حفظ ثلاث مائة ألف-حديث سندًا ومتناَ ... ) . قال فضيلة شيخنا محمد بوخبزة معلقًا على هذا الكلام في نسخته الخاصة بمكتبته-بعث بها إليّ لأقوم بتصويرها-:
(العجب من المؤلف والمحقق-علي حسن الحلبي-حيث لم يتعقبوا هذا الكلام وما بعده من كلام السبكي فإنه لا حقيقة له ولا طائل تحته ولا يوجد من الحديث صحيحه وغيره خمسون ألفًا، وقد اعتذر عن هذه الأعداد الوهمية الذهبي بإرادة الموقوفات والطرق ورغم ذلك فمن الصعب جدًا تمثل ذلك وحفظه) .
وذكر أيضًا القنوجي في (الحطة) (ص:463 - الفصل الثامن: أحمد بن حنبل) : ( ... وكان إمام المحدثين من أصحاب الشافعي-مترجم في"طبقات الشافعية"(2/ 27) -يحفظ ألف ألف حديث). وعلق عليه أيضًا شيخنا العلامة أبو أويس قائلا: (كلمة قيلت كثيرًا؟ ولا معنى لها إلا التهويل أو: المراد: الأسانيد والطرق وآثار الصحابة والتابعين كما سبق) . كما تجد ذلك-مفصلاٌ-في مقدمة أم الفضل لكتابي: (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:33/ و:810/ 811/رقم:145) ، و (إتحاف الطالب ... ) (ص:272) ، و (إمداد السقاة بدلو الرواة) (ص:7\ 8) .