مسلك اليهود والنصارى، فتُحدثوا بغير إسناد، فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم، مُطَرِّقين للتهمة إليكم، حافظين لمنزلتكم، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم، وراكبين لِسَنَنهم) [1] .
وقد عقد الشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن العثماني الهندي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (إظهار الحق) -الذي دون فيه مناظراته العجيبة والمتنوعة في الهند لكبير قسيسي النصارى في عصره (فندر) -رضي الله عن غيره وعليه بهلة الله المتتالية إلى يوم القيامة، ولا رحم فيه مغرز إبرة-: عقد (الفصل الثاني في بيان أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد) [2] .
هذه المدة-أعني: ست سنوات التي قضيتها بالمحلي بتطوان، عجل الله لنا بالفرج قريبًا من غير منة من أحد.
-كلها داخل زنزانتي الانفرادية لا شغل لي فيها إلا القراءة، والمطالعة، والبحث، والتنقيب، والتحقيق، والتعليق، والتقييد، والنظم، والنثر، والتقميش [3] والتفتيش-والإمام الهمام يحيى بن معين-رحمه الله تعالى-هو صاحب المنهج العظيم في تلقي العلم ونشره، إذ يقول كلمته المشهورة التي صارت دستورَ المحدثين والعلماء، في التحصيل والأداء:
(إذا كتبت فقمِّش [4] -أي: اكتب كل ما تسمع واجمعه-وإذا حدَّثْت ففتش [5] ، وسيندم المنتخب في الحديث حيث لا تنفعه الندامة) [6] -.
(1) -نقله عنه العلامة عبد الحي الكتاني في: (فهرس الفهارس والأثبات) (1\ 50) ، انظر: (الإسناد من الدين) (ص:29) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (4\ 56) .
(2) -وساق فيه الأدلة الناطقة بذلك من كتبهم وأقوالهم في: (45 - صفحة) من: (1\ 101\145) . انظر: (الإسناد من الدين) (ص:29) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (4\ 57) . انتهى من (إتحاف الطالب ... ) (ص:753\ 754) .
(3) -يقال: قمش القماش: جمعه من هنا ومن هنا، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء. (التاج) (4/ 340) ، والمراد هنا جمع الأحاديث من كل الطرق لدراستها بعد ذلك وتمييز الصحيح من غيره. والمراد كتب العلم عن كل أحد، أهل أو: غير أهل. ومنه قوله ابن معين، وأبي حاتم: (إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش) انظر: (لسان العرب) (6\ 338) ، و (علوم الحديث) (ص:225) ، و (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:76\رقم:177) . انتهى من مقدمة أم الفضل لكتابي: (قناص الشوارد ... ) (ص:58) ، و (الإتحاف) (ص:267) ، و (إمداد السقاة بدلو الرواة) (ص:10) .
قال شعبة: (نعم الرجل سفيان لولا أنه يقمش_يعني: يأخذ من الناس كلهم) . انظر: (المعرفة والتاريخ) (1/ 728/729) ، و (شرف أصحاب الحديث) (ص:121) .
(4) -قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد-رحمه الله تعالى-في كتابه القيم: (التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل) (1\ 13) : ( ... ومنه ما نقله الخطيب البغدادي-رحمه الله-في(الجامع) (2\ 282) ، وعنه في (فتح المغيث) (2\ 339) -عن بعض شيوخه أنه قال:"من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج".
ومن قبلُ عن يحيى بن معين-رحمه الله تعالى-في الحث على التفتيش للتخريج:" (إذا كتبت فقمِّش وإذا حدَّثْت ففتش، وسيندم المنتخب في الحديث حيث لا تنفعه الندامة". أي: فجانبُ التحمل ليس مثل جانب الرواية والأداء) .
انظر: (السير) (11\ 85) ، و (فتح المغيث) (3\ 300\302) ونسبها أيضًا لابن أبي حاتم الرازي.
(5) -انظر ما قاله العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه: (التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل) (1\ 191) ، حول التفتيش.
وقال الدكتور عبد المحسن في كتابه (الجرح والتعديل) (ص:5\ 6) :(وقال يحيى بن سعيد القطان: الشعبي أول من فتش عن الإسناد. قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يقول: كان ابن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحدًا أول منه، ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. قال يعقوب: قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال.
قال الذهبي: فأول من زكى وجرح عند انقضاء عصر الصحابة: الشعبي، وابن سيرين، ونحوهما، وحفظ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة، تكلم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، كالأعمش، وشعبة ابن الحجاج، ومالك بن أنس.
فالنقولات التي سبقت عن أهل العلم في ذكرهم أول من بدأ بالتفتيش أقوال متقاربة، وذكروا علماء متعاصرين، متقاربين في السن والبلدان، ومتباعدين في البلدان؛ لذلك فإن بداياتهم كانت متقاربة، أو كل واحد في بلده، أو كان البعض أنشط من الآخر، والله أعلم).
(6) -انظر: (التاج) (4/ 340) ، ومقدمة أم الفضل لكتابي: (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:58) ، و (إمداد السقاة ... ) (ص:9\ 36) .