فهرس الكتاب
في الآخرة ، فإذا رأى عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود ، فيكون له عبرة وعظة ولطفًا في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى . ونحوه: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَى } ( النازعات: 26 ) { ذالِكَ } إشارة إلى يوم القيامة ، لأنّ عذاب الآخرة دلّ عليه . و { النَّاسِ } رفع باسم المفعول الذي هو مجموع كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس . فإن قلت لأي فائدة أوأثر اسم المفعول على فعله ؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه يوم لا بدّ من أن يكون ميعادًا مضروبًا لجمع الناس له ، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة ، وهو أثبت أيضًا لإسناد الجمع إلى الناس ، وأنهم لا ينفكون منه ، ونظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك ، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله: { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ } ( التغابن: 9 ) تعثر على صحة ما قلت لك . ومعنى يجمعون له: يجمعون لما فيه من الحساب والثواب والعقاب { يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } مشهود فيه ، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به ، كقوله:
وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْمًا وَعامِرًا
أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد . والمراد بالمشهود: الذي كثر شاهدوه ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود ، وطعام محضور . قال: % ( في مَحْفَلٍ مِنْ نَوَاصِي النَّاسِ مَشْهُودِ ;
فإن قلت: فما منعك أن تجعل اليوم مشهودًا في نفسه دون أن تجعله مشهودًا فيه ، كما قال الله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ( البقرة: 185 ) ؟ قلت: الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام ، فإن جعلته مشهودًا في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات كلها ، ولكن يجعل مشهودًا فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم