أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية ؟ قلت: معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر . ومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة ، وهما معنيان مختلفان . فإن قلت: كيف قدمت الزانية على الزاني أولًا ، ثم قدم عليها ثانيًا ؟ قلت: سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية ؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن . فلما كانت أصلًا وأولًا في ذلك بديء بذكرها . وأمّا الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه ، لأنه هو الراغب والخاطب ، ومنه يبدأ الطلب . وعن عمرو بن عبيد رضي الله عنه: لا ينكح ، بالجزم على النهي . والمرفوع فيه أيضًا معنى النهي ، ولكن أبلغ وآكد ، كما أن ( رحمك الله ) و ( يرحمك ) أبلغ من ( ليرحمك ) ويجوز أن يكون خبرًا محضًا على معنى: أن عادتهم جارية على ذلك ، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصوّن عنها . وقرىء: ( وحَرم ) بفتح الحاء .
! 7 < { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } > 7 !
< < النور: ( 4 ) والذين يرمون المحصنات . . . . . > > القذف يكون بالزنى وبغيره ، والذي دلّ على أن المراد قذفهنّ بالزنى شيئان ، أحدهما: ذكر المحصنات عقيب الزواني . والثاني: اشتراط أربعة شهداء ؛ لأنّ القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان ، والقذف بالزنى أن يقول الحرّ العاقل البالغ لمحصنة: يا زانية ، أو لمحصن: يا زاني ، يا ابن الزاني ، يا ابن الزانية ، يا ولد الزنا ، لست لأبيك ، لست لرشدة . والقذف بغير الزنا أن يقول: يا آكل الربا ، يا شارب الخمر ، يا يهودي ، يا مجوسي ، يا فاسق ، يا خبيث ، يا ماص بظر أمّه . فعليه التعزير ، ولا يبلغ به أدنى حدّ العبيد وهو أربعون ، بل ينقص منه . وقال أبو يوسف: يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون . وقال: للإمام أن يعزر إلى المائة . وشروط إحصان القذف خمسة: الحرية ، والبلوغ ، والعقل ، والإسلام ، والعفة . وقرىء: ( بأربعة شهداء ) بالتنوين . شهداء صفة . فإن قلت: كيف تشهدون مجتمعين أو متفرّقين ؟ قلت: الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن يحضروا في مجلس واحد ، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة . وعند الشافعي رضي الله عنه: يجوز أن يحضروا متفرقين . فإن قلت: هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدًا منهم ؟ قلت: يجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي . فإن قلت: كيف يجلد القاذف ؟ قلت: كما جلد الزاني ، إلاّ أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلاّ ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو . والقاذفة أيضًا كالزانية ، وأشدّ الضرب ضرب التعزير ، ثم ضرب الزنا ، ثم