فهرس الكتاب

الصفحة 2101 من 2833

كان ملكًا عظيمًا ، فخاف أن يعطي مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه ، كما قالت الملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ * أَحْلَلْنَا لَكَ } ( البقرة: 30 ) وقيل: ملكًا لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي ، كما سلبته مرّة وأقيم مقامي غيري . ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين ، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره ، وأوجبت الحكمة استهابه ، فأمره أن يستوهبه إياه ، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده . أو أراد أن يقول ملكًا عظيمًا فقال: { لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } ، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته ، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال ، وربما كان للناس أمثال ذلك ، ولكنك تريد تعظيم ما عنده . وعن الحجاج أنه قيل له: إنك حسود ، فقال: أحسد مني من قال: { هَبْ لِى * مُلْكًا لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } وهذا من جرأته على الله وشيطنته ، كما حكى عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله ، لأنه شرط من طاعته فقال: { فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ( التغابن: 16 ) وأطلق طاعتنا فقال: { وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْكُمْ } ( النساء: 59 ) .

! 7 < { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الاٌّ صْفَادِ * هَاذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَأابٍ } > 7 !

< < ص: ( 36 ) فسخرنا له الريح . . . . . > > قرىء: ( الريح ) والرياح { رُخَاء } لينة طيبة لا تزعزع . وقيل: طيعة له لا تمتنع عليه { حَيْثُ أَصَابَ } حيث قصد وأراد . حكى الأصمعي عن العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب . وعن رؤبة أنّ رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذة الكلمة ، فخرج إليهما فقال: أيم تصيبان ؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعًا ، ويقال: أصاب الله بك خيرًا { وَالشَّيَاطِينَ } عطف على الريح { كُلَّ بَنَّاء } بدل من الشياطين { وَءاخَرِينَ } عطف على كل داخل في حكم البدل ، وهو بدل الكل من الكل: كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ، ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ ، وهو أوّل من استخرج الدرّ من البحر ، وكان يقرّن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد . وعن السدي: كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع . والصفد القيد ، وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ، ومنه قول عليّ رضي الله عنه: من برّك فقد أسرك ، ومن جفاك فقد أطلقك . ومنه قول القائل: غلّ يدًا مطلقها ، وأرقّ رقبة معتقها . وقال حبيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت