ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث ؟ قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده ، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد ، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم واجب التقديم ، وليلى الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء ، وأخر الذكور فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم ؛ لأن التعريف تنويه وتشهير ، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدمهنّ ، ولكن لمقتض آخر فقال: { ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } كما قال: { إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى } ( الحجرات: 13 ) ، { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاْنثَى } ( القيامة: 39 ) وقيل: نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، حيث وهب لشعيب ولوط إناثًا ، ولإبراهيم ذكورًا ، ولمحمد ذكورًا وإناثًا ، وجعل يحيى وعيسى عقيمين { إِنَّهُ عَلِيمٌ } بمصالح العباد { قَدِيرٌ } على تكوين ما يصلحهم .
! 7 < { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ } > 7 !
< < الشورى: ( 51 ) وما كان لبشر . . . . . > > {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح لأحد من البشر { أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ } على ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام ، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده . وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره . قال عبيد بن الأبرص: % ( وَأَوْحَى إِليَّ اللَّهُ أَنْ قَدْ تَأَمَّرُوا % بِإِبْلِ أَبِي أَوْفَى فَقُمْتُ عَلَى رِجْلِ ) %
أي: ألهمني وقذف في قلبي . وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام ، من غير أن يبصر السامع من يكلمه ، لأنه في ذاته غير مرئي . وقوله: { مِن وَرَاء حِجَابٍ } مثل أي ، كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء الحجاب ، فيسمع صوته ولا يرى شخصه ، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة . وإما على أن يرسل إليه رسولًا من الملائكة فيوحى الملك إليه كما كلم الأنبياء غير موسى . وقيل: