{ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ } أتاهم من جهة الدين وكان حليمًا موفقًا ، فكلمهم مستفهمًا عن معرفة وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب ، فقال: هل علمتم قبح { مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } لا تعلمون قبحه ، فلذلك أقدمتم عليه ، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه ، لأنّ علم القبح يدعو إلى الاستقباح ، والاستقباح يجرّ إلى التوبة ، فكان كلامه شفقة عليهم وتنصحًا لهم في الدين ، لا معاتبة وتثريبًا ؛ إيثارًا لحق الله على حق نفسه ، في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب ، وينفث المصدور ، ويتشفى المغيظ المحنق ، ويدرك ثأره الموتور ، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها ولله حصًا عقولهم ما أرزنها وأرجحها . وقيل لم يرد نفي العلم عنهم ، لأنهم كانوا علماء ، ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ولا يقدم عليه إلا جاهل ، سماهم جاهلين . وقيل: معناه إذ أنتم صبيان في حد السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة . روي أنهم لما قالوا: مسنا وأهلنا الضر ، وتضرعوا إليه: ارفضت عيناه ، ثم قال هذا القول . وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ، إلى عزيز مصر . أما بعد ، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء: أما جدّي فشدّت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه بردًا وسلامًا ، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله . وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخًا بالدم وقالوا قد أكله الذئب ، فذهبت عيناي من بكائي عليه ، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به ، فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق ، وأنك حبسته لذلك ، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقًا ، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام . فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره ، فقال لهم ذلك وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا .